آخر خدمة يقدمها حزب الله لسورية هي عرقلة مشروع المحكمة الدولية. وعرقلتها بجدّ يعني امتلاك قرار الحكومة التي سيُعرض عليها مشروع المحكمة المرسل من الأمم المتحدة. وامتلاك قرار الحكومة، يعني الحصول على نسبة لا تقلّ عن ثلث المجلس الوزاري، أو ما يسمّى بـ"الثلث المعطّل" الذي يستطيع شرعيا وقف اي قرار حكومي مهم.
هذه هي المشكلة مع مطلب "حكومة الوحدة الوطنية" الذي يصرّ عليه نصرالله؛ فعلى طاولة الحوار لم يكن الخلاف على مبدأ حكومة الوحدة الوطنية، بل على نسبة الثلث. وتخشى الأكثرية ان الهدف هو اعاقة المحكمة الدولية، رغم تصريحات حزب الله بأنه لا يعارض هذه المحكمة "مبدئيا"، إنما هناك تفاصيل لا بدّ من بحثها، لكن من يدري في اي متاهة سيدخل نقاش التفاصيل! أما الرئيس لحود فكان أكثر صراحة في الاعتراض على المحكمة، وطلب تأجيل اجتماع مجلس الوزراء لأنه يريد أن يدرس مع خبراء تفاصيل المشروع.
قوى 14 آذار لن تتنازل اطلاقا، وتحت اي ظرف، عن حق الوصول الى النهاية في قضية اغتيال الرئيس الحريري، وبقية الجرائم التي روّعت لبنان، ولذلك نُقل عن سعد الحريري، على هامش الحوار، انه قال: خذوا ثلثي مجلس الوزراء وليس الثلث فقط، لكن وافقوا أولا على مشروع المحكمة الدولية.
اذن، القضية ليست عدالة توزيع "الكعكعة الحكومية"، ولا مشاركة تيار الجنرال عون فيها، بل هي المحكمة المزمع انشاؤها دوليا لقضية اغتيال الحريري، واذا لم يقدم حزب الله هذه الخدمة لسورية الآن، فمتى يفعل؟!
هكذا فشل الحوار الوطني الذي اداره نبيه برّي، والذي غادر على الفور الى طهران لاستئناف المفاوضات مع الطرف غير المباشر على طاولة الحوار اللبناني. أمّا الحكومة اللبنانبة فقد حسمت امرها، واجتمعت بغياب وزراء حركة أمل وحزب الله المستقيلين، وكذلك بغياب رئيس الجمهورية؛ ووافقت على مسودة المحكمة الدولية. وهو ما يعني بالنسبة لحزب الله المضي في التحدي الى الأمام، فهو سيرفض بالتأكيد شرعية القرار الحكومي، وسيتحدّاه. وقد صرّح لحود أن الحكومة باتت فاقدة لشرعيتها الدستورية.
وما دامت الحكومة تحظى بأغلبية برلمانية، فلا آلية "دستورية" لإسقاطها، فهل يلجأ حزب الله الى الشارع؟ ينبغي التذكير ان رئيس الجمهورية كان بالنسبة للأكثرية الحكومية يفتقد الشرعية، ويجب ان يذهب، إذ هو يملك الفيتو على الكثير من القرارات، وهو من بقايا الحقبة السورية، وقد تمّ فرض التمديد له فرضا، ورئيس حرسه متهم بالتورط في قضية اغتيال الحريري. وقد وضعت الأكثرية برنامجا تصعيديا لإسقاطه، ثم صرفت النظر عن المسألة لأنه لا وجود لآلية دستورية تسمح بإسقاطه. والآن يتأزم الوضع بصورة خطرة، قد تنزلق البلاد الى الحرب الأهلية، ليس برغبة من أحد، لكن لعجز كل طرف عن التنازل عن مطالبه. لكنّ ثمّة منطقا يفتح فسحة للتفاؤل، وهو ان حزب الله، وقد غسل يديه من كل مسؤولية بعد استقالة وزرائه، وبعد ان فشل عمليا في اعاقة القرار الحكومي بالموافقة على المحكمة، فليس لديه -من زاوية وطنية لبنانية- أي سبب لدفع الأمور نحو الصدام الأهلي، فحصته في البلد مكفولة، لا أحد ينازعه عليها، ولذلك فقد يتظاهر الحزب بأقصى اشكال المعارضة، وقد يصل الى حافة الصدام، لكنه لن يسمح فعليا بالانزلاق نحو الهاوية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري