لكل مدينة في العالم روحها الهادرة والسرية التي تقيم فيما يسمى باللهجة الدارجة «وسط البلد»،وأنا من الأشخاص المتيمين بالامساك بهذه الروح ,محاولتي الدائمة في أن امارس الذهاب شبه اليومي الى وسط البلد،وذلك عن طريق ابتكارات الاسباب غير المقنعة في ذهابي الى وسط البلد. ومع ذلك تراني أذهب مسرنماً برغبة الامساك بروح عمان كل يوم.

فأنا حينما أقف امام المدرج الروماني أبدأ بالانسحاب من هذه الضجة العصرية من شوارع وبنايات وسيارات مجنونة بعواء الزوامير وأرى سكان المدينة بعد أن اكشط طبقات تاريخية تراكمت فوق المكان كي أرى المدينة ابتداء؛ منبع الحوريات الذي تتسيده امرأة فيلادلفيا «تايكي»، وأرى في شارع يزدان بأعمدته وقناطره وشوارعه المبلطة باحجار ملساء، وارى ايقاعات خشبية ومعدنية لعجلات العربات وسادة القوم وهم يتجهون الى هذا المدرج، كي يقيمون احتفلاتهم بالمصارعة، وفرحهم بذاك الاحتكاك الأُمي للاجساد المتراصة في جلوسها على المدرجات.

وحينما ابتعد قليلاً وأقف فوق سقف السيل المعبأ برائحة الناس التي تختلط برائحة شواء اللحم الساذج وتلك الرائحة المعقمة للألبسة المستعملة أقف مرتعشاً وأن أصغي بسرية لهدير النهر الصغير حيث كانت المياه تهدر صيفَ شتاء وهي تحرس البيوت القائمة على ضفتيه، تلك البيوت التي كانت تحرسها ايضاً تلك البساتين المثمرة بفواكه جميع المواسم.

وفي ساحات مجاورة للنهر أرى بأم العين تجاراً جاؤوا من أطراف الجزيرة العربية ومن الشوام وحتى من أرض الكنانة وبدو الاردن والشركس والشيشان وأرى اسواقاً تتشكل وبيوتاً ينتقيها علية القوم وهي تزحف نحو الجبال السبعة.

هنا فوق سقف السيل وفي امتداد شارع الملك طلال وفي امتداد شارع الملك فيصل ترى امتداد البنايات الحجرية والمحال التجارية والأدراج الصاعدة الى الجبال الطازجة معمارياً، ومقهى حمدان الذي كان يضج بنقاشات رجال الاحزاب الاردنية والحركة الوطنية.

وهنا في سوق السكر كان يجلس التجار في حوانيتهم يبيعون كافة انواع البضائع، هنا حوانيت التجار الاصلاء الذين كانت حوانيتهم تبدو كقلاع عائلية يصعب خدشها اوالاقتراب منها.

هنا في وسط عمان ووسط البلد تكمن روح عمان الهادرة بسرية تشبه الوشوشة وهي التي تمغنطني وتجلبني مخفوراً بمحبة المكان والاحتماء بروحه التي تعفيني من طلسمة هذا التمدد العمراني الذي يأخذني من منطقة الوضوح الى منطقة العماء، وأي عماء؟.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور