يدخل شهر رمضان هذا العام للمرة الأولى بعد الإجراءات الاقتصادية المحلية الخاصة بتحرير قطاع الطاقة ورفع الدعم عن المشتقات النفطية، والتي تزامنت مع الموجة الأخيرة من أزمة الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط، ثم أزمة الغذاء وارتفاع الأسعار العالمي.
 على مدى الأشهر السبعة الماضية كانت تأثيرات الإجراءات المحلية والتحولات الاقتصادية العالمية أكثر قسوة على الطبقات الاجتماعية الأردنية من غيرها، وربما شهدت هذه المجتمعات واحدة من أكثر حالات التأثر على المستوى العالمي، ترافق ذلك مع قدرة نادرة على التكيف الاجتماعي مع الظروف الاقتصادية الصعبة رغم  الإنهاك المستمر لعشرات الالاف من الأسر والحراك الاجتماعي السلبي الذي زاد من عرض واتساع الطبقة المعدومة وتضاؤل مساحة وحضور الطبقة الوسطى، ومع هذا حافظت هذه الفئات الواسعة على استقرارها والتزمت بعقدها الاجتماعي مع الدولة.
  وهذه ظاهرة عافية اجتماعية وسياسية يندر وجودها في مجتمعات ودول عديدة من العالم إذا ما مرت بنفس الظروف والتحولات التي شهدناها خلال الأعوام القليلة الماضية والتي وصلت أصعب حالاتها خلال هذا العام، وإذا كان لكل مجتمع من المجتمعات طريقته في التعبير عن آلامه وطموحاته ففي النهاية تلتقي كافة المجتمعات عند حقائق مشتركة لا يمكن بعدها معالجة ما فات بأدوات تقليدية.
   شهر رمضان يضرب عميقا في التقاليد الاجتماعية والسلوك الاقتصادي لجل المجتمع الأردني الذي بات يحسب حساب هذا الشهر، فإن عبور هذا الشهر بأمان اجتماعي واقتصادي مهمة تحتاج معالجة حكومية حكيمة وسريعة فعلاوة على الالتزامات الشرائية التي تفرض سلوكا استهلاكيا خاصا بهذا الشهر فإن سلوك الجماعات تحت وطأة الأزمة وحدتها عادة ما يتصف بالسلوك المغامر، أي المغامرة في السلوك الشرائي المغاير للقدرات الشرائية، والمغامرة في الاولويات والمغامرة في إدراك الفرق بين أجندة التاجر وأجندة البيت، ثم ان الجماعات تحت وطأة الأزمة قد تطور في لحظة ما سلوكا مغامرا من نوع آخر قد يصل إلى مستوى العنف الاجتماعي.
 الناس بحاجة إلى استقبال رمضان هذا العام بمبادرات سريعة وجدية وحكيمة أيضا تشعرهم بالارتياح، الناس بحاجة ماسة إلى سلوك رسمي يشعرهم بالارتياح ويفرغ الطاقة السلبية التي تجمعت خلال الفترة الماضية، الناس في هذه اللحظات ينتظرون ان تشعرهم الدولة بمؤسساتها وقوتها التنظيمية وبشرعيتها أنها قوية وقادرة على الالتزام بالعقد الاجتماعي من طرفها.
 فبعد ان وصلت معدلات التضخم إلى 15% وارتفعت الأسعار بمعدلات تصل إلى 200% خلال هذا العام للعديد من السلع الأساسية، تبرز قيمة القوة التنظيمية للدولة ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية وهي قوة للأسف ما تزال في حالة استرخاء في مواجهة الاحتكارات وفي مواجهة أنانية وانتهازية بعض القوى التي تسيطر على السوق، فليس من المعقول ان يتضاعف حجم نسبة الارتفاع في أسعار بعض السلع مرات عن حجم الارتفاع الذي يحدث في الأسواق العالمية، كما هو الحال في بعض السلع الغذائية، وليس من المعقول ان تمر المنتجات الزراعية بتسعة وسطاء أو أكثر في طريقها من المنتج أو المزارع إلى ان تصل إلى المستهلك الأمر الذي يراكم في كل مرة قيمة مضافة غير حقيقية. 
   إن التفسيرات المبسطة والدرامية أحيانا التي تحيل الأزمات الاقتصادية الاجتماعية المحلية إلى الحقل الخارجي هي أقرب ما تكون رغبة في إزاحة الأحمال عن كاهل المؤسسات بإدخال الدولة في حلقة مفرغة مركزها الاقتصاد السياسي العالمي والإقليمي، وهي محاولة متكررة لتجنب البحث في الاختلالات المحلية والوقوف في وجهها، وهي حلقة تاريخية اتجهت دوما نحو الانشغال في تفاصيل تراكم التدفقات الخارجية على أهميتها التي يفرضها طبيعة النظام الاقتصادي العالمي، وأغفلت النظر إلى أحوال التراكم الداخلي، أي التراكم الحقيقي الذي يخلق التنمية ويوفر الحصانة أمام التحولات العالمية ويقلل من قسوة آثارها على القواعد الاجتماعية. 
  وبالعودة إلى خطة الطوارئ الاقتصادية الوطنية التي تتطلبها المرحلة، فإنها أحوج إلى أن تدار بعيدا عن الإدارة الإعلامية اليومية، فهي بحاجة إلى إدارة اقتصادية اجتماعية تستجيب إلى حاجات الناس قبل رغباتهم ولحساسية موقف الدولة الأردنية في هذه المرحلة، تحتاج إلى وقف الارتجال السياسي والإداري وإلى بناء تراكم إنتاجي وطني حقيقي والى إصلاح النظام الضريبي وربطه بمستويات الدخل وإعادة الفاقد منه الذي يصل إلى أكثر من نصف بليون دينار سنويا وعمل على مدى سنوات طويلة على تدمير طبقات اجتماعية وبناء طبقات طفيلية صغيرة أثرت على حساب إفقار الآخرين.
  من المنظور الاقتصادي والاجتماعي البعيد المدى فإن التخلص من سياسات الدعم الحكومي يعد انجازا وطنيا، ومع هذا فإن هذه السياسة ستبقى أداة اقتصادية واجتماعية حمائية تحتاجها الحكومات ولا تجد بديلا عنها في بعض الأوقات كما يحدث في كافة دول العالم، ولهذا فإن سياسة دعم السلع محليا تحتاج إلى وعي اجتماعي وممارسة حكومية أكثر مرونة، خذ على سبيل المثال دعوة الحكومة إلى مبادرة خاصة بشهر رمضان وحده بدعم السلع الغذائية الأساسية من خلال  المؤسستين العسكرية والمدنية من خلال رصد مبلغ لهذه الغاية ولشهر رمضان فقط على ان يتم طرح هذه السلع وفق برنامج زمني على امتداد الشهر. 
الناس اليوم بحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى ان يشعروا بقدرة الدولة على مواجهة التحديات التي تعصف بمفردات حياتهم اليومية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد