من العراق الى لبنان الى الانتخابات الأخيرة في البحرين، أصبح هناك ما يمكن أن نسمّيه "المسألة الشيعية". المسألة تخصّ "بعض" الدول العربية، وكانت ستبقى قضيّة داخلية محدودة الأهميّة لولا وجود دولة شيعية جارة للعرب، تمثل قوّة إقليمية كبرى في المنطقة، هي إيران. ثمّة قلق مشروع من تعاظم نوع من الانقسام في المنطقة، يتراكب فيه السياسي والطائفي مع الاستقطاب الاقليمي.
ولا يفيد هنا تعليق القضيّة (فقط) على مشجب التدخلات الخارجية. فعلى مدار القرن الفائت لم تتوقف التدخلات الخارجية، ولم يكن هذا النوع من الانقسام يخطر على بال. وقد تجد القضيّة جذورها في التزامن بين فشل حركة التحرر الوطني العربي والمدّ القومي في انجاز مشروع المواطنة الحديثة ودولة القانون والمؤسسات الديمقراطية، مع تحوّل ايران الى دولة دينية.
إن الاحزاب والحركات الوطنية لما بعد الاستقلال انكمشت وتلاشت وأخلت مكانها للانحيازات ذات الطابع الديني والطائفي والعرقي. والانفتاح الديمقراطي المتأخر لم يصنع هذه الانحيازات، بل كشف عنها بعد أن اختمرت طويلا تحت قشرة هشّة لأنظمة تسلطية فشلت في صنع تنمية اقتصادية سياسية اجتماعية، تنقل المجتمعات الى الحداثة.
الانحياز الطائفي الشيعي لا يختلف عن غيره من الانحيازات السائدة، لكن خصوصيته تتصل اليوم، كم قلنا، بوجود دولة إقليمية كبرى وذات طموحات على كتف المشرق العربي، هي ايران التي استثمرت الصلة المذهبية لتربط بنفوذها قوى تسعى إلى الهيمنة ماليا وتنظيميا ودينيا على الوسط الشيعي في غير قطر عربي.
من المفهوم أن الشيعة في أي بلد عربي يكرهون كثيرا تسليط الضوء على هذا الجانب الذي يشكك في ولائهم الوطني، وهم على حق؛ فليس مقبولا ولا جائزا أبدا وضع فئة كاملة من الشعب هكذا خارج الولاء الوطني (على غرار زلّة لسان الرئيس مبارك في لقاء مع محطة العربية)، لكن واقع الحال أن هناك مشكلة، وهي متوقعة في أي ظرف مشابه.
لم يكن تمويل وتسليح ايران لحزب الله في مواجهة اسرائيل يثير مشكلة، ولا تسليح وتمويل قوات شيعية في مواجهة المحتل الأميركي، لكن الأمر ينقلب جوهريا حين يتعلق بالشأن الداخلي، فيصبح قضية اختراق يهدد المصالح والأمن الوطني والقومي. وهناك مخاوف مشروعة الآن لدى السعودية ودول الخليج. وهذه المشكلة تهدد التقدم الديمقراطي ايضا.
لا يمكن دفن الرأس في الرمال، ولا الاكتفاء بتوجيه الاتهامات. هناك قضيّة مواطنة وولاء وطني يجب معالجة جذورها، وهناك تحدّ مع ايران يجب معالجته بإدارة عربية متماسكة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري