في الوقت التي قامت فيها حركات تنظيرية عالمية وأقامت جمعياتها ومؤسساتها المدنية بهدف الغاء عقوبة الاعدام في مجمل القوانيين الدولية، وفي الوقت الذي استغرق فيه فلاسفة ومفكرين في دراسة الجدوى من حكم الاعدام والعمل على ابطال هذا النهج، باعتباره يضيف الى الواقع الاجتماعي جريمة أخرى هي الاعدام نفسه، وقتل القاتل.

في هذا الوقت تحديداً يظهر رجل مسلم كي يجترح طريقة جديدة تعتبر بحق حالة تحد لكل النظريات الفكرية والفلسفية والمدنية بخصوص موضوع الاعدام.

وقد جاء في الصحف أول أمس انه وفي حالة فريدة فوجىء محكوم عليه بالقصاص بزيارة والد القتيل له داخل السجن العام بمدينة الدمام السعودية، ويبشره بعتق رقبته لوجه الله تعالى، مشترطاً عليه حفظ القرآن الكريم قبل الخروج من السجن، في حين كان الجاني ينتظر تنفيذ حكم الاعدام الصادر بحقه، متوقعاً أن يدخل عليه السجان في أي لحظة لسحبه الى ساحة القصاص. ويوضح الخبر ان اللجنة العليا للاصلاح بالمنطقة الشرقية قد سعت لاقناع ولي الدم بالتنازل لوجه الله، وبالفعل هذا ما حدث عند الاجتماع به،حيث عفا عن القاتل رافضاً استلام أي مبالغ مقابل ذلك، مشترطاً عليه أن يحفظ القرآن قبل الخروج من السجن، بجانب انه أصر على زيارة الجاني في سجنه لا بلاغه بنفسه. وهذا ما حدث وهذا ما فعله الأب.

أعترف بأني أعجبت بهذا الأب وبعبقرية العفو التي تحلى بها، مثلما عليّ أن أعترف بأني تصورت الجاني حينما دخل عليه الأب وكيف أن هذا الأب الحضاري الذي فقد فلذة كبده، كيف جعل كل التوقعات التي تولدت عند الجاني تتداعى اما الطلب الذي قد يبدو بسيطاً وهوحفظ القرآن،لكنه في الواقع من أنجع الاساليب الحضارية في العقاب.

فالشاب الذي سوف يبدأ بحفظ كتاب الله عن ظهر قلب، لا بد وان تغتسل روحه بالآيات ولا بد من أنه سوف يبدأ بمعاقبة نفسه في كل آية قرآنية، وربما هذه ما سيجعل روح المغدور تحلق في فضاء الزنزانة، طوال فترة حفظ الجاني لآيات القرآن الكريم.

ان هذا الاجتراح العفوي لأب فقد ابنه يعطينا فكرة كيف يمكن كيف يمكن للعبقرية العربية الاسلامية ان تجترح عقوباتها الخاصة دون الرجوع الى نظريات وافكار وفلسفة وشقاء تمارسه جمعيات حقوقية دولية.

انه العفو المؤدلج الذي يجعل الجاني يعاقب نفسه بنفسه وبحضور روح الضحية


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور