من يرفضون دعوة الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، لانتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة ليس لديهم بديل، ذلك أن عبّاس تمهّل وعمل من أجل البديل (حكومة الوحدة الوطنية) طوال شهور، وفشل. ولن نقول من المسؤول؛ فكل طرف يحمّل بالضرورة المسؤولية للطرف الآخر، لكن واقع الحال ان فتح وحماس لم تتمكنّا من تجسير الخلافات حول حكومة الوحدة الوطنية، والساحة الفلسطينية بلغت ذروة التوتر بعد سلسلة الحوادث الخطيرة الأخيرة، وهي على شفير حرب أهلية، رغم تأكيد الجميع على حرمة الدم الفلسطيني. ومن قتلوا الأطفال الثلاثة الاخوة ليسوا مؤتمنين على الدم الفلسطيني، والقوى المتصارعة تنزلق انزلاقا الى الحرب الأهلية ولا تقررها سلفا. وأفضل ألف مرّة من الانزلاق الى الصدام الأهلي، الاحتكام سلما الى الصناديق، حتى لو كان هناك شبهة دستورية.
لكن لنعد الى المسألة الدستورية. فقد صدرت تصريحات من قادة فصائل ونواب تقول إن الدعوة غير دستورية وغير قانونية، وناطق من حماس قال انها دعوة للحرب الأهلية؛ وهذه العبارة الأخيرة تفيد فقط أن حماس تريد منع الانتخابات بقوّة السلاح! وسيكون مشروعا اللجوء الى السلاح لمنع تنصيب سلطة بانقلاب مسلح يلغي البرلمان والشرعية الدستورية، لكن عبّاس لا يريد إلغاء أي سلطة دستورية، ابتداء بالسلطة التشريعية، بل الدعوة لانتخابات مبكّرة، ليس فقط للسلطة التشريعية التي هي بيد حماس، بل أيضا للسلطه الرئاسية التي هي بيده.
والدستور الفلسطيني لا يحتوي نصوصا تجيز أو تمنع اجراء انتخابات مبكّرة، لكن على القياس، فإن الدعوة الى انتخابات مبكرّة هو تقليد سائد في مختلف الدساتير، وهو الملجأ لحلّ أزمات الحكم بطريقة ديمقراطية. وحين لا يردّ نص دستوري لمعالجة قضية ما يؤخذ عادة بالاعراف وبالقياس. وعلى ذلك، فالمسألة سياسية وليست دستورية، وستكون خطوة غير عادلة سياسيا لو اقتصرت على البرلمان ولم تشمل الرئاسة أيضا.
لا شك أن عبّاس يطمح في الانتخابات الى استعادة الأغلبية النيابية، وهذا ليس مضمونا، بل إنه يغامر بفقدان كلتا السلطتين، الرئاسية والتشريعية. ولذلك، تبدي كثير من الأوساط (الخارجية والداخلية) تحفّظا على شمول الرئاسة بالانتخابات. لكن عبّاس يتصرف باستقامة تستحق كل تقدير؛ فهو مارس استقامة ديمقراطية ترفض الانقلاب على الشرعية الدستورية، ويريد من الشعب الفلسطيني أن يحسم القرار ديمقراطيا.
كان لا بد لعبّاس من أن يحسم، ونتذكر أنه عندما طالت المفاوضات وفشلت في الاتفاق على وثيقة الاسرى قرّر اللجوء الى الاستفتاء الذي كان سيتمّ لولا أن حماس عادت في النهاية ووافقت على الوثيقة التي بات اسمها وثيقة الاتفاق الوطني. والآن، هو يضع الأطراف، وحماس ضمنها، أمام خيار عادل: امّا الاتفاق، أو العودة الى الصناديق، لنفسه وللجميع.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري