ندما تصدر الكلمات عن شخص هو تقريبا أمام المقصلة، فلا بدّ أنها الأكثر صدقا. إذ عند هذه اللحظة لا معنى للتمثيل وتقمّص الأدوار. واذا كان ثمّة تقمّص، فهو انغماس نهائي في الدور، كما بدا في الرسالة، ورافق صاحبه حتّى النهاية.
مهما كان الموقف السياسي من صدّام ونظام حكمه، فان هذا الانسجام حتّى الرمق الأخير يثير التعاطف والاحترام. أمّا موقفنا المعارض لتنفيذ حكم الاعدام، فله اسانيد أخرى كثيرة، نذكر منها سلفا أننا من حيث المبدأ ضد عقوبة الاعدام.
المذهل في الرسالة هذا الوعي الحادّ والذهن الحاضر الذي يتابع المقارعة السياسية، ويوظف موضوع الاعدام نفسه فيها، وهذا شأن قادة حقيقيين، اختلفنا معهم او اتفقنا. وبهذا المعنى ظهر صدّام حسين كقائد حقيقي ولم يكن خصومه كذلك، وتحديدا أولئك الذين أرادوا أن يحاكم صدّام ويعدم على القضيّة التي تخصّهم، ونعني قضّية الدجيل.
إنهم يحاكمون صدّام و يعدمونه تحت حراسة دبّابات الاحتلال! وهم يقتصّون من الرجل بسبب اعدامات بنيت على محاكمة غير عادلة، بينما هم يمارسون الاعدامات بلا محاكم وفي الميدان، ومن دون تهم، وحتّى من دون معرفة الضحايا الا من هويتهم الطائفية المحتملة! وبينما ينخرط اتباعهم في حرب الانتقام البشع والتقتيل الطائفي الجبّان، تزخر رسالة صدّام بمعاني التسامي والأخوّة العراقية والانسانية، ورفض الحقد والانتقام، وغيره مما حفلت به الرسالة في كلّ فقراتها بقصد واضح في هذه الظروف التي تتسم بالقسوة المرعبة والجنون.
لماذا يكون اعدام صدّام الان جريمة وكارثة سياسية؟ كان يمكن لمحاكمة صدّام أن تكون لحظة عظيمة في تاريخ الشعب العراقي لو جرت في ظروف مختلفة: شعب تحرر، وله حكومة شرعية ومؤسسات حرّة يقوم بتصفية الحساب مع ديكتاتورية دموية عبر محاكمة عادلة شفّافة علنية، تعلن فيها كل التهم التي تدين النظام، من الألف الى الياء. وللتذكير، فقبل كل الجرائم التي تخصّ الأكراد والشيعة، قام صدّام باعدام العشرات ممن اختلف معهم في داخل الحزب، وأول دفعة على هامش مؤتمر الحزب واثناء انعقاده، وبالمناداة عليهم بالاسم (لماذا لم تشمل التهم لصدّام هؤلاء الضحايا؟!).
محاكمة في ظروف مختلفة كانت ستمثل علامة فارقة، ودرسا لكل النظم غير الديمقراطية، ولن يكون فيها صدّام ابدا هو ذاك الذي عرفناه في هذه المحكمة، ونال تعاطف الكثيرين في العالم العربي. لكن صدّام حوكم قبل أن يصبح العراق حرا فعلا، ومؤسساته مستقلّة وفاعلة بصورة دستورية سليمة، وهذا أضعف تماما شرعية المحاكمة.
بهذا المعنى تصبح المحاكمة امتدادا وجزءا من البشاعة والقذارة التي تمارس في العراق، ويكون اعدام صدّام طعنة وانتقاما قذرا من جانب من قدروا عليه بفضل الاحتلال. وفي اجواء الاحتراب الطائفي المتقد، يسجّل كعمل خطير من جانب فئة فحسب.
لا ندري ما اذا كان هناك ثمّة صيغة دستورية لوقف تنفيذ الحكم، الذي ان حصل سيكون خطأ وخطيئة غير قابلة للتصحيح. والصحيح تأجيل التنفيذ الى زمن آخر مختلف تماما، يمكن فيه اعادة المحاكمة وفق رؤية تضع اساسا واحدا للمحاسبة على كل من ارتكب ذنبا بحق العراقيين، ليس في عهد صدّام فقط، لكن في الفترة اللاحقة ايضا!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري