عودة الهدوء الحذر إلى مدينة عكا على الساحل الفلسطيني التاريخي، بعد أيام من العنف المتبادل لا تعني نهاية حالة أمنية مؤقتة تم تطويقها، بل ربما ما حدث بداية لانفجارات سياسية واجتماعية وسط حقل من الألغام زرعته إسرائيل على مدى ستة عقود من عمرها على امتداد المدن العربية في الداخل، وحان الوقت لكي توظف الدولة العبرية هذه الانفجارات التي تنتظرها في إنجاز مصالح نضجت وحان قطافها وتحديدا فيما يتصل بمعضلة الديموغرافيا وجنون النقاء العرقي، كما يبدو في المشهد القلق في كل من يافا عكا واللد والرملة وغيرها.
مهمة العلاقات العامة الداخلية هذه المرة، التي هرع لها الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز لتطييب الخواطر على طريقته المعهودة كانت ضرورية لوضع اللمسات السياسية الأخيرة على المشهد الموجه إلى الخارج؛ بينما هناك تفاصيل وجداول أعمال ستدار حسب تقسيم العمل السياسي الإسرائيلي بهدف تأهيل الحالة الأمنية في مدن الداخل نحو أهداف استراتيجية عليا تخدم إسرائيل في هذه المرحلة.
الانفجار الاجتماعي السياسي في عكا أُريد له هذا التوقيت ليصب في ثلاثة أهداف أساسية؛ أولا: لفت انتباه العالم إلى ان العرب هم من يرفض التعايش السلمي بين القوميتين العربية واليهودية، وان حل الدولة ثنائية القومية غير ممكن عملياً، وثانياً: لفت انتباه الداخل الإسرائيلي ومنحه الضوء الأخضر لبداية مرحلة تطهير عرقي ضد عرب الداخل ودفعهم نحو الهجرة أو النزوح الى الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة والقطاع، اما الهدف الثالث فيرتبط بالثقل الثقافي العربي الذي يمثله الحضور العربي الفلسطيني في هذه المدن، وينعكس فيما تبقى من معالم ثقافتهم المادية في الحارات والأحياء العربية في الكنائس والمساجد والمقابر والدروب الصغيرة والكروم والبيارات والعمارة والمقاهي والساحات وغيرها من ملامح تذكر بثقل ثقافة السكان الأصليين وأصحاب البلاد منذ آلاف السنين؛ بما يعكس حجم قلق الهوية الإسرائيلي، الذي لا يقل عنه حجم قلق الديمغرافيا حيث تصب كل الأهداف السابقة ومقاصدها النهائية.
ذلك ما يفسر حجم التطرف الصهيوني الذي حاول إجبار السكان العرب من أبناء مدينة عكا بالإلتزام بفرائض (يوم الغفران) اليهودي قبل أيام، الأمر الذي دفع المئات من المتطرفين اليهود إلى الزحف من المدن المجاورة لمحاصرة الأحياء العربية والأحياء المختلفة وحرق المنازل وملاحقة العرب.
ما حدث طوال الأيام الماضية في عكا التي يسكنها حوالي(52) ألفا ثلثهم من العرب، مرشح أن ينتقل إلى بقية المدن المجاورة التي يقطنها عرب، وما حدث لم يقم به متطرفون من أقصى اليمين، كما ردت وسائل الإعلام، بل ممارسات منظمة تلبي دعوات وأفكار لمسؤولين إسرائيليين كبار في مختلف مؤسسات الدولة العبرية.
حقل الشر الذي زرعته المؤسسة العنصرية الإسرائيلية طوال ستة عقود في مدن الداخل حان قطاف ثماره على الطريقة الإسرائيلية، حيث يبدو أن صيغة التعايش السلمي في هذه المدن المختلطة والتي طالما تغنت بها إسرائيل وصورتها إلى الخارج وسوقت من خلال ديمقراطيتها قد انتهت صلاحيتها، وسوف تبحث عن صيغة أخرى تخدم استراتيجية تخفيض القلق الديمغرافي ولو على حساب صورتها الديمقراطية، فلقد عانى السكان العرب في كل تلك المدن من التهميش الفعلي ومن حرمانهم من التنمية ومن تطوير الخدمات والبُنى التحتية، وتم تركهم فريسة الفقر والبطالة والجريمة أحياناً لإجبارهم على ترك تلك الأحياء بالهجرة أو النزوح.
لقد غابت المدن العربية في إسرائيل خلال العقود الثلاثة الأخيرة عن الوعي العام للمجتمعات العربية وأصبح كل ما يعرف عن عكا البحر والساحل ومسجد الجزار وكل ما يعرفه المثقفون صمودها في وجه حصار نابليون وتحالف احمد باشا الجزار مع الإنجليز وسجنها العتيد الذي اعدم فيه عام 1930 أول شهداء المقاومة، تُرى هل تعود مدن الساحل الفلسطيني الى واجهة الأحداث من جديد، ونكتشف معرفة أخرى حولها غابت خلف ستة عقود من التهويد، لكن يبقى السؤال الأهم: لماذا عكا وجاراتها في هذا الوقت بالتحديد؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد