هكذا جرى الأمر؛ طلبة الجامعة بالمئات ينتظرون الحافلات التي تقلّهم إلى بيوتهم عندما حدث التفجير الانتحاري لسيارة ملغومة! تطايرت الأجساد والكتب، وتراكض الطلبة عندما حدث تفجير انتحاري آخر على باب ثان للجامعة، والنتيجة 170 طالبا وطالبة بين قتيل وجريح!
هل هم سنّة؟ هل هم شيعة؟ هل هم أكراد؟ انهم طلبة فقط! شباب وفتيات من كل مكان تحوّلوا إلى جثث متفحمة، ودماء، وأشلاء ممزقة، اختلطت بأوراق المحاضرات والكتب والأقلام! يقول شرطي: كان رنين الهواتف لا ينقطع في جيوب الجثث الممزقة، لكن من يسحب الهاتف ليردّ؟!
لسنا أمام انتقام طائفي؛ فالمكان مدخل جامعة عامّة، وليس حسينية أو موقعا له لون طائفي. إنها فقط إرادة إجرامية لارتكاب مجزرة بحق أكبر عدد من الناس!
من هم هؤلاء الانتحاريون؟ من أرسلهم؟ الانتحاري ومرسله يجب أن يكونا متفقين على قناعة فكرية مطلقة حول ما يقومان به، ما هي؟ كيف تشكلت؟ وهل فوق الطرفين جهة تستثمر هذا الانحراف المرعب فتزوده بكل ما يحتاج؟!
يعجز التحليل عن التفسير، والمصيبة أن أحدا لم يعد يسأل. لقد أصبحت هذه التفجيرات وقائع مسلّما بها. يجب أن نعرف ونفهم من ولماذا يفعل ذلك! يجب أن يصبح لمرسلي هذه التفجيرات ملامح. نريد أن نعرف ما هي بيئة التفكير للانتحاريين ومرسليهم المباشرين، فنحن أمام ظاهرة من أخطر وأفظع ما يمكن أن يقع في أي زمان ومكان.
رأينا ظاهرة شبيهة على نطاق أضيق في الجزائر، وقد أمكن رصد الدوافع المحركة لهؤلاء: منع السلم والاستقرار، وصنع جهنم في مجتمع الكفر، وإشاعة الرعب ونشر الموت بأبشع الطرق. كان يجري ذبح الأطفال في حجر أمهاتهم! ابادة أسر كاملة من دون صلة سوى الصدفة التي طالتهم في بيوتهم!
في العراق ولدت مجموعات من هذا النوع كما يبدو، وبإمكانات أوسع من الجزائر مع غياب الدولة وسيطرة الفوضى الشاملة تحت الاحتلال. ويمكن أن نتخيل في ظروف العراق كم من المجرمين الأصليين خارج السجون، وكم من ضحايا الانحراف والتشوه السيكولوجي الذي يتحول إلى انحياز يوفر كل هذا العدد من الانتحاريين ومرسليهم، وبمنطق يتجاوز حتّى مفهوم التطهير العرقي أو الطائفي.
في العراق تجري مجزرة من نوع غير مسبوق على الاطلاق. والاحتلال الذي أطاح بالدولة العراقية وجيشها السابق يتحمّل المسؤولية التاريخية عن هذه الكارثة التي يعجز الآن عن وقفها! وقد بلغ عدد قتلى العراق 35 الفا خلال العام الفائت. ومع حقائق كهذه طبعا، تبدو محاكمة صدّام وإعدامه مهزلة، لكننا لسنا بصدد العودة إلى الحديث السياسي.
نريد فقط أن نعرف من يرسل المفخخات الى الجامعة؟ من؟! رئتاي تمتلئان فقط برائحة الجثث المحروقة للطلبة، ولا رغبة لدي الا بالبكاء.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري