لا ننكر عبث التكنولوجيا بنا، والعزلة التي تمنع التواصل المستمر والدفء المشترك ولقاء الأحبة وغيرها من النبض الذي كنا نسير باتجاهه –بلا شك- لقد خسرنا الضحكة اللامتناهية لدى أبناء القرية عندما كانت مجالسنا تتجاوز عتبة الدار إلى النخيل والبرك والنبع والصحراء أصبحنا لا نتجاوز الشرفة، ولكن التقدم والحضارات الجديدة لها سبلها وعليها أن تختصر وعورة الجبال كي تصل إلى نقطة الضوء بعد أن كانت مستمرة عند نقطة الصفر منذ عصور سحيقة. فلسنا بخير مادامت التكنولوجيا تعبث بنا؛ أليس كذلك؟
|
إن الأجيال تختلف، كما تتغير المفاهيم وتتعدد الطباع وتتنوع القيم بفعل التغيير الذي يطرأ على المجتمع كلما تبدلت رؤاه أو تعددت سواء بقي على أصوله أو نحا سوابق أفكاره.. المهم كله أننا في دروب جارفة ومستقبل تشوبه المغامرة وتربكه التجارب، وأما بدعة (المثل العليا) فالعصر التكنولوجي قادم لتقشير الأساطير البائدة، والتي تعيش معنا –للأسف- بل تستدرجنا أحياناً للمثول في حضرتها بمهابة وبؤس شديد، لأننا لا نمتلك حس النقد، ولا نراهن أنفسنا على التغير والانزياح، فكل جيل له مفرادته وقيمه وأطباعه، والجيل المعاصر الذي نشأ في خضم الصراع التكنولوجي هو تنصيص لرغباتنا، واستكبار حاد يجابه الأصوات الغامضة في الذوات والتي لا نستطيع أن نتجاهله منذ زمن، ولذلك أتى الجيل بكامل عنفوانه من عصر الآلة بدءاً بالقرن التاسع عشر حيث تنازلت الأفكار قليلاً عن كبريائها وباتت كائناً حميماً يلهو بين أيدينا بعد أن كانت الأفكار والكائنات الماورائية والمتخيلات البعيدة غير قابلة للتطبيق، كانت تخبو في جيب الأساطير، وكنا في حيرة المقدسات، وسطو العبودية، وقيامة الأصنام.
فالزمن عبور متخفٍ للوجود، لكل شيء يدرك -تماماً- أن وراءه حياة أخرى، هي محاولة لتجاوز الممكن والاستكانة في حضرة المستحيلات هي ارتكاز على ساق المعرفة وليست نرداً يراهن على خسارات الآخرين، والعناد في نزالات بغيضة، فمعنى أن تعيش حياة ثانية أو تستلهم الوقت لمناورة المجهول والتغلب على النكوص والحيل في ذاتك أهم بكثير من المعرفة النظرية التي تضع سقفاً لرأس الخطيئة وهي بالأساس لا تبني بقدر ما تهدم كل التضحيات والتجاوزات المنطقية التي نحتكم بها ويبقى خصمنا الوحيد هم الظلاميون وطغاة النص الذين يرفضون الحياة خارجه، فيجب أن نصلب علامتي التنصيص بمعول الاستفهام، وألا نرضخ للجمل المعترضة في كتبنا فهي مجرد جسر للوصول إلى عبارة أخرى، علينا ألا نحذر من التفكير وأن نفتح شبابيك الوعي لإجابات مشرقة كل يوم، فالجديد هو الضوء والمتغير دوماً هو المضاء.
يقول غاستون باشلار صاحب الفلسفة الظاهراتية: «الحياة وربما الحقيقة إجمالاً هما اقتحام تدريجي للحرية، فأي قدر من العالم علينا الإمساك به حتى يصبح العالم قابلاً للتجاوز». بمعنى ألا نكتفي بالحقيقة أيضاً، وأن ندمن استكناه الخيال الذي يتفصح آمالنا في كتاب القدر، لم يكن الجمال بلورة كاهن قديم ما لم نشعله بالتأويل، ونقترب عنده بأسطورة الحنين التي تجعل من الفرضيات حكاية مترفة ولسنا نتودد لإزاحة العقل عن سلطته وإذابة الصمت في كوب قهوتنا المرة والتي باتت أحلى مع سكاكر الدهشة، نحن نسعى بجد إلى المتغير الجميل، ولسنا نريد تكنولوجيا غوغائية تثير الرعب في نفوسنا، فالكون هو بريد الغيب، وكلما أحسنا ترتيب أرائكه وقطع أثاثه سوف نضاهي الفردوس أمام مخيالنا العظيم، سوف نأخذ التكنولوجيا معنا إلى رحاب جهنم أيضاً، ولن نغادر الحرب الباردة إلا وأصابعنا باتت جزءاً من الكيبورد؛ ألم أقل إننا لا نستغني عن البطارية والكهرباء والقناديل.. تبا لك يا أديسون |
هذا العبث التكنولوجي شعرنا من خلاله بظلامية التاريخ وسوداوية الجهل التي ألوت عنان الزمن طوال فترة ماضية لا يستهان بحجم ضحاياها، ولكن أمام المتغير الآني، وسباق الأعمار واختزال الشيخوخة في مفهوم الإنجاز وتعرية الحكمة من المشيخة ومهابة الكاريزما، هذا العبث كان مجايلاً لكل متغير، وليس أمامنا سوى الاعتراف بالنتائج، فما هو حقيقي لابد أن يكون شاخصاً للأعين وليس متخيلاً وليس اعتبارياً، لتغدو أفعالنا معياراً خالداً للقيم والتفاني الذي نعيشه لا يتمثل –بالضرورة- في صناعة مجتمع أو بناء حجر على رأس الحضارات، فعندما نفكر (كيف كنا؟) و(ماذا ينبغي أن نكون؟) و(ما يجب فعله؟) و(لم العراقيل في مستقبلنا؟) على الأسئلة أن تفصح وأن تصرخ في وجوهنا بإجابة حقيقية وغير مواربة، فالنهايات هي استشراف وليست طللاً زائلاً، كما لا تشبه –بالتأكيد- أحجار الدومينو التي تتساقط واحدة تلو الأخرى، بل هي البوكر الذي نراهن على نتائجه.
ما الذي تغير في وجودنا بعد سيل عارم من النظريات الحديثة والوسائل التكنولوجية التي لم نعد نستغني عنها؟ | |
لقد سرقتنا التكنولوجيا حقاً، ولكنها أنبل لص على مر التاريخ، فلم تعد الحواجز عائقاً ولا الجدران حجاباً، ولا الترحال وسيلة لنلتقي، بالتقنية نأتي لبعضنا عبر وسائط حديثة، نعبر الآفاق، ونثرثر إلى مالانهاية عبر (الشات) ونقرأ الملامح ونكبر سوياً دونما حاجة إلى أن نحدق طويلاً في المرايا بل يكفي (الكام) وأحاديث السمر التي تخرس عند مغيب القمر باتت أكثر عفوية وصخباً عبر البلاك بيري والواتساب وغيرها.
كل سبب وراءه غاية، وهذه الهجمة التغريبية كما يحلو للمحافظين أن ينعتوها كانت وراء طرد الاستعمار الروحي لمبادئ نجترها عبر الآباء والأجداد، فالتطور الكوني انتماؤه الوحيد للمستقبل، فالغد هو صداع مؤرق للعظماء، ومادامت الأيام سارية، والدنيا على محك التجارب فإننا لا نخشى أي تحول فكري في سياق الوعي، وأما مسألة الانحراف وانسلاخ الهوية فمن لا يتغير لا هوية له، وإذا كانت الأصول والثوابت حائلاً بيننا وبين الاستمرارية فلا أصل لسفسطائيتها، ولذا كانت الحاجة –أيضاً- ماسة لتغيير مـفهــــوم التواصــــل الاجتماعي والفكري، فمن الآلة استعجلتنا تروس الوقت، ومن الانطلاق تحررت عصافيرنا من الأغصان وصرنا نجوب الآفاق بطائرة من الفولاذ، ومن ثرثرة الأصابع في محبرة تجف سريعاً صرنا نهذي ونقهقه طويلاً على نقرات الكيبورد، وهنا تكمن خلاصة الحاجة وكل حاجة تترك وراءها جيلاً مبعثراً وشارداً وهو يبحث عن ذاته التي باتت معقدة لكثرة المتغيرات. والإصرار على التغيير هو جرف الهاوية التي تقتل أوثان التردد، كي يصمد على أرض الواقع كل جبار عنيد/ وجبابرتنا في هذه اللحظة هم التنويريون وطلاب الحقيقة وصناع المثل الواقعية لا المثل العليا التي لا يطالها إلا الراسخون في الوهم.
لن نتخيل زمناً كهذا بلاشك، كما لا يمكننا أن نعيش في زمن غيره، ولذلك محو التاريخ من كتبنا يجب أن يكون سبيلنا للتخلص من ذاكرة الخلاف والصراع والاستبداد كي نجاري الشعوب المتقدمة ونكون أنداداً مادامت مواردنا الثقافية والاقتصادية حافزاً للتغير، وجاهزية التحول المعرفي متاحة للكل، فلا يمكن أن نمنع التكنولوجيا عن بعضنا وهذه القيم الغربية التي جعلت المعرفة حقاً مشاعاً هي ما جعلتنا –جميعاً- نتطور على وتيرة واحدة، ونختلف في المستقبل، فيما نريد، وفيما ينبغي أن نكون، فالخطط والاستراتيجيات المنظمة هي (عشبة الخلود) وقصب الراعي الذي يحدو مشاعره، كما أنها.. أي الاستراتيجيات راية التحدي للدخول في معترك التنمية المستدامة ومصافحة الأمم المتحضرة بعين لامعة، لا بعين دامعة.
المراجع
www.arabicmagazine.com/arabic/ArticleDetails.aspx?id=1792موسوعة الأبحاث العلمية
التصانيف
الأبحاث
login |