أتوقف مع محاضرة د. معن النسور في كلية الأركان؛ فهو يعيد تذكيرنا ببعض الأرقام في التقارير السنوية عن التنمية البشرية، والتي شكّلت في حينه صدمة قويّة للوعي العام، عززت نداءات الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي. لكن تدريجيا هضمنا هذه الصدمة، وما زلنا على سيرتنا الأولى. بل إن العالم العربي الذي كان يتقدم في نهاية الألفية الثانية، كمعدل عام، على اقليم واحد فقط هو افريقيا جنوب الصحراء (افريقيا السوداء)، فقد هذه الميزة ايضا، والارجح اننا الآن الأوائل فقط في عدد الذين يذهبون لتفجير أنفسهم في المناطق المدنية!
لو أخذنا بعض دول الخليج منفردة، كالامارات مثلا، فهي بلا شك تتقدم بشكل جيد، وتستفيد من الازدياد الهائل في مداخيل النفط، لكن الخليج والعالم العربي كلّه، بنفطه وغير نفطه، يحقق دخلا قوميا سنويا أقل من اسبانيا وحدها! أليست هذه حقيقة مفجعة؟!
ينتابني الفضول لأقرأ دراسة معمقة حول مسار التدهور الذي قاد بلدا كمصر، كان في مطلع الستينات يحقق ناتجا اجماليا يوازي، أو أعلى قليلا من كوريا الجنوبية، والآن يقلّ عنها بعدّة أضعاف! وبحسب ما يذكر د. النسور، فان انتاجية المصانع العربية تدنت بين الستينات والتسعينات بمعدلّ 0.2% سنويا، والمواطن العربي يحتاج الى 140 سنة ليضاعف دخله اذا استمر معدّل نمو دخل الفرد السنوي على الوتيرة الحالية!
في مطلع الستينات اتجهت الأنظمة الاشتراكية العربية الى تسريع وتيرة التصنيع، واعطى ذلك نتائج اولية جيّدة كما حصل في الاتحاد السوفييتي، لكن النظام البيروقراطي والديكتاتوري ما لبث ان قاد الى الركود والفساد. ويبدو ان المشكلة اوسع قليلا، فقد تحقق تدهور ثقافي عام في عموم المنطقة، بغض النظر عن نوع الأنظمة، لقيم العمل والانتاج والتحديث، جعل الأنظمة والمجتمعات العربية تتراجع عن الروح التنويرية والتحديثية. وقد أعقب المدّ القومي مدّ اسلامي، افتعل حلا أيديولوجيا آخر بعيدا عن جوهر المشكلة، بدل الاقتراب من معالجة الشروط العيانية والواقعية للتقدم. وهكذا، اضعنا نصف قرن آخر، لنجد انفسنا في المؤخرة، حتى إزاء افريقيا السوداء.
الحديث يفتح على مواجع، وينشر كآبة وتشاؤما. ولطالما اتهمني الزملاء بأنّي مريض مزمن بالتفاؤل، فأنا لست ممن يحتملون التشاؤم، وربما لهذا السبب أصرف وقتا لا بأس به على أنشطة للثقافة السياسية والديمقراطية مع الشباب. وقبل أيام، في حوار ساخن معهم، تطرق الحديث الى برتوكولات حكماء صهيون، ولفائف قمران، والتوراة؛ واستشهد بعضهم بهذه المواد لطرح آراء سائدة مشبعة بنظرية المؤامرة، بلا اي اساس علمي أو تاريخي، واكتشفت أن أيا منهم لم يقرأ كلمة واحدة من أي من هذه الكتب أو الوثائق، فكل فكرتهم عن القضايا المطروحة شفاهية متداولة! فحكيت لهم عن رواية "عمارة يعقوبيان" التي حققت اعظم شهرة، وتحولت فيلما، فكان مجموع مبيعاتها في العالم العربي منذ صدورها قبل 5 سنوات هو 200 الف نسخة، بينما باعت خلال عام بعد ترجمتها في فرنسا وحدها 120 الف نسخة!
قبل يومين، أخبرني د. مروان المعشر، الذي أنهى تأليف كتاب قيّم عن تجربته مع قضايا الإصلاح في الاردن والعالم العربي، ان دار النشر الجامعية المتعاقد معها في الولايات المتحدة ستطبع 70 ألف نسخة، أمّا دار النشر في بيروت فستطبع باللغة العربية فقط 3 آلاف نسخة، والدار تعتبر الرقم ممتازا! واتوقف هنا، فلا اريد أن أوجع قلبي وقلوبكم أكثر!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري