الأرملة المدرّبة على جميع انواع الفقر نهضت في هذا الفجر التشريني، وتفقدت «قطاطيم الدار» كما تسمي اولادها في العادة،وبدأت بالتفكير بالمهمة التي ستوكلها اليهم، وتذكرت القائمة التي وضعتها تحت وسادتها والتي تحمل اسماء كل البيوت التي ستضحي هذا العام.
وهذا يحدث معها في كل عيد اضحى حيث تتحول الى جاسوسة وهي تجوب البيوت متسائلة عن من سيضحي هذا العام، وحينما تحصل على الخبر اليقين تبدأ بتدوين اسماء أصحاب هذه البيوت، وتبدأ بالتلميح لصاحبة الدار عن حصتها هي واليتامى، وحينما تسمع عبارة «حصتك محفوظة يا حجة» ولحظتئذ تشعر انها دخلت في طمأنينة أقل ما يقال عنها أنها «طمأنينة غذائية».
كانت تحدق بالاولاد وهي تتذكر اللحم المجمد، الذي تذهب الى السوق، كي تحضره من بائع اللحم المجمد، مثلما تتذكر أيضاً اصطفاف كافة انواع اللحوم المجمدة في الثلاجة الكبيرة، وكيف كانت تراها وكأنها أجساد بشرية متحطبة وخصوصاً حينما يبدأ البائع بقصها على المنشار الكهربائي، وينتفض جسدها وهي تراقب ذاك الرذاذ اللحمي وهو يتطاير عن جانبي المنشار.
لحظات وبعد أن انهت صلاتها الفجرية، بدأت بايقاظهم الواحد تلو الآخر، وهي تمارس حزمها معهم في ضرورة الذهاب مبكراً الى بيت فلان وفلان، وباقي القائمة التي أعدتها بعناية.
الاولاد الذين يوجعهم عيد الأضحى في كل عام وخصوصا بسبب هذا التسول اللحمي الذي تضعهم أمهم فيه كل عام، يحاول كل واحد منهم التبرم من المهمّة، الا أن حزم الأم الأرملة الذي يعرفون عواقبه يجعلهم يصطفون الواحد تلو الآخر استعداداً للانطلاق، الأرملة تفتح لهم بوابة الدار وتطلقهم وهي تجلل خطواتهم بالدعاء.
يغيبون ثلاث أو أربع ساعات، وبعد ذلك يعودون محملين بأكياس بلاستيكية سوداء،تفوح منها رائحة اللحم الطازج، وحينما تمسك الأم بالأكياس وتضغط على تلك الطراوة اللحمية القابعة في الاكياس تفرح، ويبدأ طقس عيدها وهي تخرج السكين وتبدأ بتقطيع اللحم الى وجبات، وهي تدرك أن وجبة اليوم بالذات يجب أن تكون أكبر حجماً.
وحينما تضع الوجبات داخل الثلاجة،وتضع الوجبة الكبيرة مع الماء على النار، تحس بفرحة كبيرة ذلك أن «قطاطيم الدار» سوف يتذوقون الطعم الحقيقي للحم، وهنا تتنهد وتبدأ بالدعاء.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور