يمكن الجزم بأن المواطن الأردني وتحديدا جيل الشباب قد تخلوا طوعاً عن لهجتهم التي ظل الأجداد والاحفاد عبر تاريخ هذا الوطن، يعبرون من خلالها عن لواعجهم وانفعالاتهم. وانتقلوا مرة واحدة الى تمييع اللهجة الأردنبة بفكرة الغنج والنعومة المبتذلة وتلك «الآل» وتسيد حرف الهمزة على كل الحروف.
وقد كنت وأنا أعيش في مسقط رأسي في اربد الاحظ أن كل واحد من القاطنيين في هذه المدينة يتحدث بلهجة لها علاقة اساساً بالمنابت والاصول، ذلك ان الفتاة الاربدية كانت تتحدث بلهجتها «الحورانية» المحببة، والفتاة التي تعود بجذورها الى المنابت القروية الفلسطينية كانت تنطق القاف كافاً دون أي حرج، أما «الآل» هذه التي بدأت تهيمن على جميع فتيات الأردن اضافة الى العائلات، فقد كانت محصورة في الفئات ذات الأصل الشامي، أو اليافاوي والخليلي واللداوي والمقدسي.
وحينما ذهبت الى ابو ظبي لاحظت وخلال اقامتي هناك والتي استمرت «15» عاماً ان الاردنيين هناك يستردون لهجتهم الاصيلة، اما فتيات الامارات فقد بقين وعلى الرغم من الحجم الهائل للوافدين محافظات على لهجتهن الاماراتية التي كانت تضفي على نطقهن جاذبية خاصة.
والحال ان مجتمعنا الاردني صار يعاني من فكرة الهروب من لهجته الاصيلة، مهاجراً الى لهجة هي خليط من الشامية الدمشقية واللبنانية. والغريب ان الفتاة الاردنية صارت تعاني من الفصام في لهجتها فقد تراها وحينما تحضر الى بيت العائلة تخلع عن لسانها لهجتها المقترحة، كي تسترد لهجتها الأصيلة، وهنا يمكن ملاحظة انها تمارس طبيعتها الحقيقية في التعبير عن كافة انفعالاتها
|
ونحن نعلم تماماً ان الفضائيات المغناجة هي التي أرست لهذا النأي عن اللهجة الاردنية الأصيلة، كما أن بعض الاذاعات الخاصة والمحلية أخذت تتعاقد مع مذيعين ومذيعات من لبنان لتعميق هذا النأي عن اللهجة. وأكد هذا التهجير القسري من اللهجة المؤسسات والشركات والبنوك الذين اعتقد جازماً انهم لا يوظفون تلك الفتاة التي تنطق بلهجتها الأصيلة، بل يجب ان يكون الغنج بلهجة ال»الآل» هو المعيار الاساسي للتعيين.
بقي ان اقول: إن اعوجاج اللسان الى هذا الحد هو اعوجاج للهوية، وحالة انفصام لا يمكن تجاوزها تاريخياً بسهولة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |