في زمن انقلبت فيه المعايير الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وفي زمن تحول فيه المواطن العربي الى لقمة سياسية سائغة لجميع الأجندات العالمية التي تحاول اعادة انتاج الاستعمار الغشيم والقاسي الى استعمار ناعم. في مثل هذا الزمن لا أجد على الصعيد الشخصي منطقة آمنة تستحق اللجوء اليها سوى منطقة القراءة

نعم ان القراءة التي تأخذنا بحبرها الجميل الى أقاصي الحلم البهي هي وحدها من تستطيع أن تأخذني من فهاهة السائد، لتعطيني طوق النجاة من كل ما هوسائد بقسوة حولي ويكاد أن يُغرقني بهرطقاته، وهي التي علمتني ومنذ البدء في التعامل معها الى التعرف على سلالة المبدعين الاجداد والابناء الذين ما زالوا يقفون امام اللهب المعرفي يحترقون بلظاه، كي يقدمون لي وللآخرين تلك المنطقة المعرفية المعافاة من كل سوء بشري.

وهي التي علمتني وبعمق نادر كيف أقوى على تشكيل وتوظيب مشهدي الحياتي الخاص. وهنا علينا ان نفرق بين القراءة التي صارت منطوقة وشفاهية في زمن تسلط ثقافة ثورة الصورة، وأخذت تأخذ مداها الكافر في احتلال الفكر والوجدان، وبين الثقافة الساكنة بوقار أخاذ في الحبر الذي ما أن تطرق ابوابه عيناك حتى تنهض كي تتشكل بألوانها المعرفية ذات التنوع القزحي، وتسوقك نحو اسرارها وكنوزها الغامرة بحكمة الانسان وتجاربه العظيمة. حيث يحدث هذا عندما نوقظ القصيدة النادرة والمسرحية النادرة وكذلك الأغنية النادرة أيضاً، هذا عداك عن لذة التعامل مع المسألة التنظيرية ذات البعد الفلسفي العميق.

أقول هذا وانا أعلم تماماً أن الركام التاريخي الهائل الذي خلفته القراءة من شعر وروايات وملاحم ونظريات معرفية وفلسفية ظلت أبد الدهر رهينة لهجمة الجهل والغباء البشريين، وأسيرة لحمقى التاريخ من ساسة وقادة وسماسرة وفاسدين، وأنها ظلت تعاني من الطمس والقمع المتعمد على اعتبار ان المرجعية الغرائزية والعدوانية الجاهلة هي أهم من كل الترهات الحبرية الرومانسية التي تبثها القراءة.

نعم ليذهب العالم جميعه الى غباء الاعتراك على كل ما هو سطحي وآني، ليذهبوا الى الاقتتال المجاني وسفك الدم البشري من اجل وهم التسيد والتزعم هذا الذي استطاع أن يُفرخ كل اسلحة الدمار الشامل. من مفاعلات نووية ومعدات لضخ المبيدات الجرثومية والكيميائية والتسابق في الذهاب الى كواكب نائية في الكون.

أما أنا فسأذهب الى خندقي الأول «خندق القراءة» حيث تشع كل الحروف والجمل بتلك الارتعاشة الحسية والذهنية لتقودني الى حضن الحكمة وتلك الطمأنينة


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور