حين يتورم المشهد الدرامي في أي مسلسل عربي، تجد الممثل وبغض النظر عن عمره أو مكانته الاعتبارية في المجتمع يذرف الدموع المدرارة، وقد كان المشاهد العربي يشعر بالتعاطف مع هذه الدموع، الى الدرجة التي يمكن فيها أن يشارك الممثل البكاء.
وقد كان الأمر في ستينيات وسبعينيات القرن الفائت يذهب الى أبعد من ذلك حين كنّا نرى قاعة سينمائية كاملة الاتساع والحضور وهي تذرف الدموع على على بعض المشاهد السينمائية المؤثرة، الى الدرجة التي كنّا نسمع فيها صوت النحيب الجماعي للحضور
|
وقد كان لبعض الافلام الهندية قصب السبق في استدرار دموع المشاهدين بشكل لا يُصدّق، وخصوصاً فيلم «سينجام» الذي كان يجعل قاعة سينمائية كاملة تضج بالبكاء | |
وقد كان البكاء في زمن ليس بعيد عن زماننا هذا يتفشى كحالة اجتماعية عادية في لحظات ومناسبات، فالأخت التي كنّا نزورها في الأعياد كانت تذرف دموعاً مباغتة، وقد كانت العروس التي تغادر بيت العائلة الى بيت عريسها الجديد، تجعل العائلة جميعها تذرف دموعاً مدرارة، والأمر ينطبق أيضاً على الابن الذي سوف يذهب الى الدراسة في الخارج حيث كانت العائلة تغرق في بكاء جماعي.
لكننا في ايامنا هذه التي نعيش نلحظ ان ظاهرة البكاء قد اختفت تماماً حتى في أشد المظاهر الاجتماعية تأثيراً، وصارت المسافة بين القلب والعين معدومة تماماً،وصار الشريان الموصل الى القناة الدمعية جافاً ومعدوماً | |
والحال فان الكوارث والهموم التي يعيشها المجتمع العربي عموماً، من حروب وتفجيرات وتكتلات اضافة الى ما يشهده العالم القائم من خراب وتغريب في التواصل والاتصال، وتفتت في المعايير الاجتماعية وغلاء المعايش عموماً استطاع ان يحول الناس الى ارخبيلات متباعدة فاقدة لأي نوع من الوصل والتواصل.
وهكذا صارت حالة التأثر والبكاء حالة مصمّتة تماماً، وصار على الواحد منّا حين تخنقه حالة بكاء مباغت ان يتوارى بملامحه كي لا يُرى في حالة الضعف هذه.
وما زلت أذكر كيف خنقتني ذات ليلة عمانية لحظة بكاء وأنا مع الصديقين الشاعرين زياد عناني ويوسف أبو لوز كيف قال زياد مندهشاً وهو يرى دموعي الصامتة « أيبكي الجبل؟ | | » فرد يوسف أبولوز «لا تنسى يازياد ان الينابيع تتدفق من الجبال» | | .
الى هذا الحد اختفت منّا الدموع والى هذا الحد صار البكاء مستهجناً، مع اننا عربياً نبكي دماً صبح مساء | .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
|