مثلما يحتاج المذيع أو المذيعة الى فاصل اعلاني كي ينجو من عدسة الكاميرا ومن البث الفضائي، وهو يشيرالى فاصل ووعد العودة بعد الفاصل. كذلك هو الكاتب الذي يحتل زاوية يومية يحتاج الى فاصل يتحرر فيه من سطوة قراء لا يشاهدهم. وفاصل الكاتب اليومي هو الاجازة

وهذا ما فعلته لمدة ستة ايام متصلة هجرت فيها تلك الارتجافة الكهربائية البيضاء لشاشة الكمبيوتر، وهجرت ذاك التوتر الصباحي الذي يظل يتوعدني كلما انتهيت من احتساء قهوتي الصباحية والجرعة التبغية الكاملة الدسم، كي أستل موضوع كتابتي اليومية.

نعم كنت في اجازة تآمرت فيها على وعلى حساسيتي تجاه كل الأمكنة والناس وكل هذا الضجيج السياسي الهائل حولي، وأعطيت الحرية لجسدي كي يرتاح بالكامل وان يأخذ شهيقه وزفيره هكذا بطفولية أعيها وأعرفها تماماً. وأن أضع أعصابي في ثلاجة كي تكون باردة تماماً وبعيدة كل البعد عن كل ما يثيرها ويوقعها في الحماقة

نعم كنت بحاجة الى التمتع بمطر عمّان الناعم والمُدهش الذي أيقظ عندي ذاكرة الدار الأولى وبيت العائلة وتلك الباحة المبلطة وذاك الحوض الذي كان ترابه ينتعش بتلك الدالية والياسمينة وشجرة الليمون الشهرية وهو يطلق تلك الرائحة الغامضة للتراب.

كنت بحاجة لتذكر شوارع وحارات وفتيات كن يظهرن من خلف سناسل حجرية مرصوفة بأمية جميلة، وهن يرسمن تلك الابتسامة الفخ التي كانت تذهب بنا الى اغنيات عبد الحليم حافظ، كي نظل أسرى الى هذا النوع من الحب الأبكم

كنت بحاجة لتفقد سكان تلك الدار وتفقد موتهم الذي طواه الموت في تراب بعد أن اطلقني كي أشيد عائلتي ومكاني. كنت بحاجة الى التأكد من مساحة بيتي ومن النوافذ ومن الاثاث ومن سرير العائلة ومن حديقة بيتي، حيث الياسمينة التي تكررت وتبعتها شجرة الليمون أيضاً

ومن هذه الضجة الجميلة لطفولة الأحفاد والأبناء الذين صارو رجالأ ومن كل هذه الأنسنة الجميلة للبيت.

انها الاجازة فضاء الارتياح والفاصل الضروري لكل واحد منّا وقد فعلتها. وها أنا أعود مبتهجاً للكتابة التي لا يمكن أن تعطيك اجازة لا لشيء سوى انها أنت.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور