أذكر ان الصورة التي أحضرها والدي الى البيت في منتصف خمسينيات القرن المنصرم، ودق بعد ذلك مسماراً كي يعلقها، قد خلقت في روحي الدهشة من صورة ذاك الرجل الملتحي بذقن طويلة وبيضاء، وهو يمسك بيده سكيناً وباليد الأخرى طفله الصغير، وهو ينظر الى السماء بخشوع.
وحينما سألت أمي عن هذا المشهد قالت لي بثقة العارفة «هذا أبونا ابراهيم الذي أراد أن يقدم ابنه قرباناً لكن الله حينما رأى أبونا ابراهيم ينصاع لمشيئة الخالق أمره بذبح هذا الكبش الذي تراه في الصورة»
بالمناسبة كان لأمي مرجعيتها الثقافية الدينية الخاصة، فهي حينما تقول «أبونا ابراهيم» فهي تعني ذلك تماماً، وقد كانت تضيف لمعلوماتي الطازجة آنذاك أن أباها ابراهيم هو أبو الضيفان»أي الضيوف».
وقد كانت هذه الصفة من الصفات المقدسة عند أمي، أقصد الضيافة، ولهذا لم يكن غريباً عليها أن تتلقى هاتفاً مباغتا من والدي، الذي كان يرحمه الله مريضاً بالضيافة هو الآخر ليخبرها، بأن تستعد لعمل طبخات فورية ومعقدة، لأنه سيحضر الضيوف الى بيتنا
|
وفي هذا الاطار ما زلت أذكر كيف أن بوابة بيتنا كانت مشرعة طوال اليوم للجارات، وكان يكفي لأي جارة أن تشهق باسم أمي حتى تخرج لهن بمنتهى السعادة والفرح.
وقد كان من الطبيعي جداً أن يباغتنا الأقارب والأعمام في أي وقت، ودون أي اشعار مسبق، فمنهم القادم من أريحا ومن عمان ومن الخليل ومن الزرقاء، وكانت أمي تستنفر وهي تخبر والدي، وذلك بهدف السرعة في تغيير الاستراتيجية الطعامية لذاك اليوم.
بالنسبة لي كان قدوم الضيوف الى بيتنا يعني التغيير في رتابة البيت، وانشغال أمي بابهار الضيوف بالوجبات التي تعلمتها من نساء شاميات في اربد، فقد كنت أستمتع بالجلوس الى جوار الأعمام واشتمام عباءاتهم المثقلة برائحة الهيشي، ومراقبة ملامحهم الرجولية الصارمة، والاستماع الى هرجهم وحكاياتهم التي لا تنتهي، وكان هذا في شتاءات الخمسينيات يمنحني نعاساً نادراً | |
اضافة الى هذا لا أذكر أن بيتنا كان قد فرغ فما أن يذهب الأعمام وبعض الأقارب حتى يجيء دور العجائز من النساء القريبات الجدة أو العمّة أو الخالة.
الآن أنا أتساءل بحسرة عن ظاهرة اختفاء الضيوف، مثلما أتساءل عن سر الرعب الذي يضج في بيتي كلما رن جرس الباب.
يا للحسرة.. حسرة فقدان الضيوف |
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |