لاننا عشنا في زمن الغناء الجميل، ومشاهدة القامات الغنائية والطربية على المسرح وفي الافلام السينمائية واستمعنا الى تلك القامات في الاذاعات فانه يحق لنا أن نعلن عن دهشتنا من هذه الصرعات الغنائية الجديدة، ومن التكاليف الباهظة لانتاج اي فيديو كليب لأي مطرب او مطربة صعد نجمهما للتو، لا بل ومن تلك الارباح التي تقدر بالملايين التي صار يحصدها المطرب من تلك «الطلة» التي تعتمد على غريزة الاشتهاء ومتناسية ضرورة التكاء على فكرة جمالية الصوت واللحن وكلمات الأغنية.

وقد لفت انتباهي قبل ايام ذاك في احدى الفضائيات العربية الاعلان التسويقي لمطرب طازج حيث بدا المطرب وكأنه من القبضايات بعضلاته التي تورمت من رفع الحديد والأثقال، وعروق رقبته النافرة، وتسريحة شعره المجنونة. كان من الواضح ان هذا النوع من «اللوك» قائم على استدراج المراهقين والمراهقات لشراء أشرطة هذا المطرب

وكان عليّ ان اتذكر مطرب الزمن الجميل باناقته وتسريحة شعره وصوته الشجي حتى في الحديث والحوار، تذكرت فريد الاطرش وعبد الحليم حافظ وام كلثوم وعبد الوهاب وتلك الكياسة في المظهر التي تدلل على اناقة الصوت قبل ان تدلل على «زعرنة» المظهر وشغب الملامح.

والحال ان هذه المظاهر تعود الى سبب واحد وأكيد هو اعتماد بعض فنانينا الشباب حينما يقدمون اغانيهم على «القفز» و» النطنطة»، وعليه فقد صار حضور المطرب على المسرح يعتمد على الايقاعات المتسارعة والطبل والزمر، ليستنهض الجمهور ويجعلهم يتنطنطون مع المطرب ويستمعون اليه على الأغلب وهم وقوفاً.

وأذكر ان الدكتورة رتيبة حفني رئيسة دار الأوبرا المصرية انها قالت في لقاء بثته احدى الفضائيات العربية «انها تستهجن كيف صار الجمهور العربي ينهض من مقعده ويستمع الى المطرب واقفاً وكيف تحولت الاذن المستمعة عند الجمهور العربي الى الاستمالاع بالأيدي والأرجل»

ان الغناء العربي وهو يعيش هذه القطيعة مع الفن الاصيل بدأ يعود مضطراً الى احياء اغاني زمن الفن الجميل، ونستطيع الجزم وبرغم هذا الانتشار الوحشي لغناء القفز وابراز العضلات الا ان الغناء وهو يحارب فكرة الانحطاط في مستوى الفن الطربي الى اغاني ايام زمان ووقار اصحاب هذا الغناء.

انه ديدن الاصالة الفنية التي ترفض الانقراض حتى يجيء الفن العظيم القادر على حذفها وجبها.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور