لم يعد المناخ الأرضي رصيناً بل صار مناخاً صبيانياً بامتياز، حيث فقد الانسان المعاصر ذاك الشكل الثابت للمناخ، وفقد قدرته على استبصار تقلبات المناخ بحيث يعود الى خبرات اقامته فوق الجغرافيا الأرضية كي يقوم بتقسيم أيام الفصول ويسميها وتكون حاملة بالفعل لمسمياتها التي كان قد سماها بحسب خبراته التاريخية.

وقبل أيام كنت أقف في الشارع بانتظار سيارة أجرة، وكان البرد القارس يصفع ملامحي بقسوة،وكان هذا البرد تحديداً يذكرني بذاك البرد الذي كان يصفع ملامحنا الطفولية النحيلة في ساحات مدارسنا وفي فصولنا الصفية الباردة أيضاً وخصوصاً عند الحصة الأولى وفي يوم سبت على وجه التحديد، وقد أنقذني من تداعياتي هذه التكسي الذي توقف الى جانبي،وحينما جلست على مقعدي بجانب السائق أحس بي وانا أتذمر من برودة المناخ فقال لي بلغة واثقة «اصبر يارجل على برودة الطقس فبعدعشرة ايام ونصف اليوم سوف يحضر سعد الذابح حيث يبدأ المناخ بالتوقف عن البرودة القارسة وبداية تولد الربيع وشمسه المتألقة»

مقولة الرجل السائق هذه أخذتني الى قدرة انسان ارضنا هذه على تقسيم الأيام والشهور ومنحها طعمها المناخي بتسميات مثل الاربعينية وسعد الذابح وسعد الخبايا، وقد كان فلاحنا ابن الأرض الحقيقي وبدون أن تظهر له تلك المرأة النحيلة على شاشة التلفزيون وهي تشير الى حركة الرياح وتقلبات الجو وتوقعات المطر بأصابع نحيلة لا تخلو من القسوة.

نعم كانت الأرض مستقرة في تلك الايام وكانت الأرصاد الجوية تتلخص في خبرة فلاحنا المُقيم فوق جغرافيته خبرة تجعله يعرف وعلى وجه اليقين طعم ايامنا المناخية. فما أن يطلق نظراته باتجاه الأفق حتى يسرد لنا شكل المناخ القادم في اليوم التالي

لكننا في هذه الأيام وفي زمن الحضارة القائمة على التصنيع الذي يبث سمومه السوداء ليل نهار وهو يثقب طبقة الأوزون بالسموم وفي زمن كب النفايات النووية في باطن الأرض فقد استطاعت هذه الحضارة العرجاء ان تفسد المناخ الأرضي وتجعله يحمل كل هذه التقلبات التي استطاعت ان تخلخل أعماق المحيطات كي تولد لنا الزلازل والتسونامي والأعاصير، وتفقدنا القدرة العفوية على توقع شكل المناخ.

والحال ان حضارتنا استطاعت ان تخلخل مناخنا الأرضي بالفعل لتمنحه كل هذا التقلب الذي ما عدنا نقدر على تسمية تقلباته.

وكان الله في العون.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور