أذكر اني في مطلع الثمانينيات من القرن الفائت دخلت ساحة رياضية في النادي السياحي ورأيت حشداً من الجالسين يراقبون اللاعب الذي يقذف بمضربه الكرة نحو الجدار وترتد اليه ويعاود الكرّة ذاتها، وأذكر أن الفضول ساقني يومها الى سؤال احد الجالسين وقلت له «مع من يلعب هذا الرجل؟»

فقال لي «مع الجدار»فقلت له «وما اسم هذه اللعبة» فقال» سكواتش». وما كنت أتوقع أن يجيء العصر الرقمي الذي نعيش؛ والذي يمنحك حق اللعب مع الأجهزة الإلكترونية وحدك

والفرق هنا ان لاعب الاسكواتش كان مبررا فيزيائياً بحكم الجدار المرئي والكرة التي كانت تتقافز بينه وبين الجدار والحضور والحركة الدؤوبة للاعب،بينما الألعاب التي صرنا نرتبط بها إلكترونياً مجرد شاشة مكهربة ومرتجفة ورسومات تتقافز وترد عليك بحسب ضغط أصابعك على نابض الكمبيوتر، وتقهرك بصمت الحركة.

والمشكلة أن الهيلمان التكنولجي لمثل هذه الالعاب صار بمقدوره أن يمغنط شبابنا وشاباتنا فوق المقعد لمدة تزيد عن نصف اليوم أو حتى اليوم بطوله، وذهب هذا الهيلمان الى أبعد من ذلك حيث صار هناك العديد من المصنعين لمثل هذه الالعاب وبرمجتها وتوزيعها بكل لغات الارض وأصواتها. والمشكلة أيضاً أن مثل هذه الالعاب تستنزف جيوب الاطفال والشباب في محلات الانترنت، وهي تمسمرهم فوق المقاعد.

وفي الدول الغربية تحولت هذه المشكلة الادمانية عند الشباب الى مشكلة مرضية على الصعيد النفسي تتطلب العلاج والعديد من الاباء في الغرب انتبهوا الى مثل هكذا مشكلة وسارعوا الى أخذ ابنائهم الى اطباء نفسانيين لمعالجتهم من هذا المرض.

لكن في الدول العربية ما زال الحبل على الغارب وما زال جيل كامل الدسم يذهب بكل قواه الذهنية لممارسة هذه الالعاب، التي يلعبها وحيداً مع نفسه. كييكرس نظرية اللاعب الوحيد، حيث يكون الند هو الوهم التكنولوجي.

وفي الوقت الذي استطاعت فيه ثقافة الصورة أن تحشر الرأس الإنساني في المواقع الإلكترونية وعلى التويتر والفيس بوك فاستنقعت روحه في وهم العلاقات.

وياله من وهم.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور