للوهلة الاولى يبدو عصرنا المضارع مسالماً، وأن سكان الجغرافيا الارضية العربية على وجه الخصوص في حالة عناق ورحمة نادرتين لكننا ونحن نقلب صفحات جرائدنا نكتشف ان العنف البشري على صعيد الافراد والجماعات على أشده فقد أصبح من الطبيعي أن تقرأ خبراً في الصحف يقول أن سيدة قد رمت ابنتها الرضيعة من الطابق التاسع لأنها لم تكف عن الصراخ، أو أن أماً أخرى وحينما ألحت عليها ابنتها الرضيعة بالصراخ والبكاء

قد وضعت الوسادة فوق وجهها حتى اختنقت وماتت.

وبالامس تناقلت الصحف خبر الجزار المصري الذي تشاجر مع زوجته فما كان منه الا ان قام بذبحها وتقطيعها وعرض لحمها للبيع في دكانه على اعتبار انه لحم خاروف وقيمة الكيلو من لحمها «40» جنيهاً، وقد قادت الصدفة أحد المشترين أن يشك في نوعية اللحم ويتقدم بشكوى للجهات المختصة التي حضرت لمحل الجزار وأخذت قطعة من اللحم وعند فحصها مخبرياً اكتشفوا انها قطعة من اللحم البشري وفي التحقيق مع الجزار ذهبوا الى بيته ليجدو في ثلاجة البيت بقايا أطراف زوجته.

هذه عينة بسيطة من العنف البشري الذي صار يصدمنا صبح مساء ذلك ان المخفي اعظم في مجتمعاتنا تقدم نفسها لبعضها وللعالم على اعتبار انها مجتمعات مصابة بالتقوى والورع بينما فظائع المسكوت عنه عنفياً في هذه المجتمعات تشيب له الولدان كما يقولون.

فهناك العنف المُصمت ضد الاطفال الابرياء ويتبعه العنف ضد الزوجات بحكم لعنة الذكورة المُزمنة عربياً وهناك القسوة العجيبة على الامهات والاباء المسنين والتفنن في تعذيبهما.

لقد عشت انا وجيلي في مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت وكانت الجرائم التي صرنا نراها بأم العين لا تحدث الا في الرويات الخيالية وفي الافلام السينمائية ولم نكن نتوقع ان نعيش في زمن مثل زماننا هذا تطفح فيه العدوانية والتفنن في الجرائم الى هذا الحد التي نقراها كل يوم.

فأن يصل الخلاف بين زوج وزوجة الى حد تقطيع لحمها وعرضه للبيع فهذا يعني أن معدل العنف السايكولوجي عندنا قد تورم حتى انفجر،وأننا تجاوزنا ذلك لندخل في سريالية القتل وكوابيسه التي لا يمكن تصورها.

وكان الله في عوننا ونحن نراقب السطح الأملس لجتمع يبدو في منتهى الهدوء بينما اعماقه تمور بالدم وأي دم.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور