نحن من جيل تعتق في ما يُسمى بالحب العذري، ونحن الذين نتحمل المسؤولية الكاملة عن نصف قرن من الغناء الممتلىء باللوعة والشجن والتوسل العشقي، تلك الاغاني التي كان فيها العاشق في مرتبة توسلية بامتياز وهو يغني لتلك المعشوقة التي لا تطل من نافذتها أو شرفتها الا بصعوبة. ونحن المسؤولين عن المرتبة المتدنية التي وضعنا العاشق بها بحيث بدت معظم اغانينا وكانها عرض حال اوجاع العاشق الذي لا تدري عنه عشيقته.

أذكر أن مخيالنا الذي حط في البلوغ العمري للتو كان جامحاً وكان يسعى للبحث عن الفريسة التي تصلح كي تكون مادة جامحة لهذا المخيال المتهور مع أن الامر بالنسبة لحبيبة القلب قد لا تتعدى التفاتة عفوية او نظرة طائرة لكن من قال ان هذه النظرة عفوية؟ كنّا نفترض أن هذه الالتفاتة مقصودة وانها تعنينا نحن بالتأكيد.

وكان هذا الافتراض الوهمي يجعلنا نستوطن الشارع الذي يقابل بوابة بيتها، ومع أننا كنّا نواجه منها حركات تدل على الزجر وربما على التقزز، الا أن ذلك كان يزيدنا اصرارا على المتابعة العشقية الحثيثة.

وأنا حين أعود بالذاكرة الى تلك الايام الموجعة اتذكر ذاك الحب الذي كان يطلق عليه «حب من طرف واحد» وهو يعني ببساطة ان تحب فتاة بكل جوارحك وبكل طاقتك الشبابية بينما هي لا تدري، مستنداً على حركة قامت بها تجاهك، حركة قد تكون ليس أنت المقصود بها لكن هذا بالطبع يقود العاشق وهو يواجه مثل هذا الازدراء والتجاهل الى الامعان في الاخفاء والتستر على هذا الحب بنوع من المازوشية والتعذيب الذاتي المقصود

والمشكلة أن بعض العلاقات من هذا النوع كانت تجعل بعض العشاق يذهبون الى حالات انتحارية تعبيراً عن الهجر والصد دون أن تدري تلك الحبيبة عن سر انتحار هذا العاشق

الآن وانا في هذا العمر أتمنى كثيراً أن أرى أي واحدة من الحبيبات الوهميات اللواتي كنّ يُجمرن ايامنا وشبابنا باللوعة، لا لشيء سوى أن أحدق بها جيداً وأصفعها تلك الصفعة القادرة على أخذ حقي الغبي منها.؟


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور