إنها جغرافيا التاريخ الوجداني لأي واحد منّا بتضاريسها الطفولية الجميلة، هي التي تنهض حال التحرش بذاكرة المشهد، هذا ما يحدث معي حينما أشاهد فيلماً بالابيض والاسود، وهو يُعيد تأثيث زمن الفن الجميل، وهو ما يمنحني ذاك الاحساس الغامر بالطمأنينة والانسلاخ المؤقت عن واقع مرير نعيشه، حيث تعاد لي ذاكرة كاملة الدسم.
وفيلم «الخطايا» من بطولة عبدالحليم حافظ ونادية لطفي الذي شاهدته على احدى الفضائيات أمس أعاد لي ذاكرة سينما الزهراء في اربد، وذاك افيش الكبير الذي كان يحتل واجهة سينما الزهراء اضافة الى الأفيشات الموزعة في أطراف المدينة وحواريها، وذلك الازدحام الشبابي الجميل أمام الكوة الصغيرة لبائع تذاكر السينما ووقوف بعض الصبايا وهن يعانين من خجل الحضور في المشهد. وعبق ذاك العرق الشبابي الطازج الذي كانت أجسادنا الفتية تفرزه في لحظات الازدحام
.
نعم.. ان بعض افلام الابيض والاسود تأتي وهي تقود ذاكرة كاملة، حيث تعيد مثل هذه الافلام العمر الى أوله، وقصص الحب الغبية التي كنّا نعاني من تعبها الوجداني، وفي فيلم «الخطايا» كانت نادية لطفي بشعرها الاشقر المتشكل على هيئة ذيل فرس ونظراتها الفتية وأنفها الشهي بتلك البلوزة ذات اللون السكري التي كانت ترتديها تاركة ياقة قميصها الأبيض تبرز من تلك الياقة، هذا المشهد تحديداً كان يقودنا الى فتاة الحارة الجميلة التي لوعت قلوب الشباب بصدها وتمنعها | .
وكانت اغنيات الفيلم تسوقنا حالمين نحو بيت تلك الحبيبة والدندنة والترنم تحت نافذة بيتها بتلك الاغنيات كنوع من استدراجها للوقوع في أفخاخ ذاك الحب، وكنّا في كل مشهد نحذف بمخيالنا المتأجج نادية لطفي لنضع في مكانها الحبيبة العصية على العناق، كما كنّا نضع انفسنا مكان ذاك العندليب النحيل الذي كان يبدو لنا وكأنه كائ موسيقي.
بالأمس.. استطاع فيلم «الخطايا» أن يعيدني الى ستينيات القرن الفائت، وأن يُعيد لي مسقط رأسي في «اربد» بكامل طازجيته، وتلك الحارات الناعسة في ليلي الصيف الجميل والنوافذ المُشرعة على كل احتمالات الحب، وربما هذا ما جعل عيني تدمع على فقدان ذاك الزمن الجميل | .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |