كنت أجلس ظهر أمس على مقعد خشبي مستطيل في شارع الثقافة وأنا في حالة تعطش للشمس الربيعية ذات المذاق الحاد وكان يتمشى أمامي جيئة وذهابا مجموعة من الشباب العاطلين عن العمل أو عن الدراسة وقد جلس على المقعد الذي كان بجانبي شابان يدخنان بشراهة بينما كان احدهما يغني بصوت لا بأس به لكاظم الساهر، أعادني الشباب وحركتهم غير المستقرة فوق المقاعد الى مطلع شبابي وزعرنتي الأولى لكن بفارق جيل كامل. جيل كنت أعيش فيه وكان يلزمه كل أساليب الاحتيال الشبابي، فكل واحد منهم كان بيده جهازخلوي يهاتف به حبيبته وحينما فكرت بالصحراوية التكنولوجية التي كنّا نعيشها شعرت بغصة ذلك أن أقصى جهاز كان يرافقنا هو جهاز راديو صغير، ولا أدري لماذا أخذت افكر في الكمبيوتر هذا الذي سرق منّا خطوطنا التي كنا نتباهى بجمالها وتميزها،وافكر بالامكانيات التي فتحتها ثقافة الصورة من انترنت ومواقع مثل الفيس بوك والتويتر وامكانية التواصل مع الحبيبة في أي مكان كانت من العالم، وتذكرت الرسائل الغرامية التي كنّا نشقى في تدبيج كلماتها ونحبرها بكل الوان التحبير، ومن ثم نبحث عن علبة أعواد الثقاب ونضعها في داخل العلبة برفقة حصوّة صغيرة، ثم نمر من امام بيت الحبيبة نسترق النظر حولنا وحينما نتأكد من خلو الشارع من المارّة نرمي علبة الكبريت بإهمال متعمد كي تلتقطها الحبيبة
|
وكان عليّ أن أتذكر كوّى الحارّة وهو ينتظر أن تبث الاذاعة الاسرائيلية اغنية ام كلثوم اليومية كي يسمع «أغنية يا ظالمني» وحينما كان يحدث وأن تُبث الأغنية، يقوم بحركات عصابية وهو يغلق البوابة المعدنية لمحله ثلثي إغلاقة ويجلس داخل دكانه ويبدأ بالبكاء، وكان هذا المشهد يُهيمن على سكان الحارة جميعهم إذ لم يكن أي واحد منهم يجرؤ على الاقتراب من دكان الكوّى وهو في حالة شجنه هذه | |
الى هنا كان الشاب ما زال بجانبي يغني لكاظم الساهر، وبمرور ثلاث صبايا من المرحلة الاعدادية، فوجئت باقتراب صبية من الشاب وهي تقول: صوتك جميل لمَ لا تذهب الى برنامج» أراب دول»، الشاب نظر اليها بازدراء بينما انسحبت البنت بهدوء، أما أنا فكان عليّ أن أتطلع حولي وأنا أفكر بهذا الجيل المحظوظ، وأنهض تاركاً قدمي لتقوداني الى بيتي القريب من المكان وقد شعرت اني أُجرجر خلفي جيلي المجرّح والمُدمى | .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |