مفارقات السياسة والعلاقات الاقتصادية الدولية الظالمة تكمن وراء الدعوة التي تبنتها قمة العشرين الاقتصادية قبل أيام في واشنطن، والتي دعت إلى إصلاح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وسريعا ما تحولت هذه الدعوة إلى المطالبة من الاقتصادات العالمية الجديدة والصاعدة التي حضر قادة دولها هذه القمة إلى المساهمة العاجلة في ضخ الأموال لإصلاح هاتين المؤسستين ضمن الخطة التي بدأها قبل ثلاثة أسابيع رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون وشملت زيارة دول الخليج العربي لهذه الغاية، ولسان الحال إذا لم يواتِ هذا الطرح فثمة فكرة أخرى بتأسيس صندوق جديد على تراث ماضي البنك والصندوق معا.
يعود اختراع منظومة مفاهيم الإصلاح الاقتصادي والسياسي للبنك الدولي نفسه، الذي يعد أكثر مؤسسة في العالم استخدمت هذه المفاهيم ورددتها طوال العقود الماضية. واليوم وبعد كل هذا الخراب يقر قادة الاقتصاد العالمي حاجة بيت الإصلاح نفسه إلى الإصلاح، وان كانت نشأة البنك الدولي للإنشاء والتعمير في أربعينات القرن الماضي قد جاءت في مواجهة الاقتصاد الاشتراكي فسرعان ما تجاوز البنك هذه المهمة وتحول حسب واحدة من أكثر وجهات النظر شيوعا في العالم إلى أداة لاستنزاف اقتصاد دول جنوب العالم لخدمة مصالح اقتصاديات دول الشمال بالديون وبالجدولة وإعادة الجدولة باسم الإصلاح، وبإعادة الهيكلة التي لا تنتهي وتنال كل شيء. 
قبل ثلاثة أشهر كان البنك الدولي في قمة عنفوانه يدعو إلى مواجهة مشكلة الغذاء في العالم بالتزامن مع تشكيل خلية طوارئ أو أزمة في الأمم المتحدة خاصة بمتابعة هذه الأزمة الكبرى، التي ازدادت حدتها في واحدة من أقسى موجاتها الحادة بفعل سياسات إدارة الموارد في العالم، وفي مقدمتها الطاقة والغذاء.
وتقدر الأمم المتحدة عدد الأشخاص المحتاجين لمساعدات غذائية عاجلة بنحو مائة مليون، في حين قدرت جهات محايدة ما يحتاجه فقراء المجاعات القائمة والمنتظرة في وسط وشرق إفريقيا وحدها بحوالي 17 بليون دولار، حيث تزايدت الدعوات لتوفير هذه الأموال قبل حلول الشتاء، وها قد حل الشتاء ونسي العالم شبح الموت جوعا وبردا وانشغل في إصلاح ما لا يصلح.
ربما يحق للكثيرين الحكم بأن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هما آخر من يحق لهما تقديم الحلول للمشكلات الكبرى من عيار أزمة الطاقة وأزمة الغذاء والانحباس الحراري، وأخيرا انهيار النظام المالي العالمي، والمبرر لذلك ما اقترفته هاتان المؤسستان الأمميتان بفعل سياساتهما على مدى العقود الماضية وهو ما نلمسه بالفعل اليوم، وما ارتبط بهما من صور نمطية لدى شعوب ونخب جنوب العالم التي خابت آمالها من وصفات البنك الدولي ومؤسسات دولية أخرى، بعد فشل معظم مشاريع التنمية والتحديث في جنوب العالم.
وعلى الرغم من تراث الشتائم والهجاء الذي قيل بحق هذه المؤسسة لما مثلته من هيمنة فرضت على العالم، وعلى الرغم من تمكن المحافظين الجدد من الوصول إلى رأس هذه المؤسسة في الفترة الأخيرة، فإنه من الصعب إنكار أن البنك الدولي في تجربته قد شكل ربما اكبر بيت خبرة عالمي جمع نخبة من خيرة العقول في العالم، وخبرات متنوعة من ثقافات إنسانية متعددة، ووفّر أدبيات اقتصادية وتنموية هائلة، مع الفارق الكبير بين الأطر النظرية وبين السياسات الفعلية التي سوقت على شعوب العالم، وهذه هي المفارقة الكبرى التي يجني العالم اليوم نتائجها في الأزمات الكبرى وفي الموارد وفي مصير الحياة على هذا الكوكب.
كان السؤال، بعد أكثر من خمسة عقود على إنشاء هذه المؤسسة، لماذا لا يزال الفقر مستمراً ويزداد أحيانا، وماتزال اختلالات توزيع الثروات ومشكلات البيئة تتفاقم، بينما تتسلسل المشكلات الكبرى، وآخرها تهديدات منتظرة بفعل الانحباس الحراري والأزمة الاقتصادية الراهنة؟
الضغوط تمارس اليوم بشكل متسارع على الدول العربية النفطية، وفي مقدمتها السعودية، العضو العربي الوحيد في مجموعة العشرين لكي تدفع الجزء الأكبر من فاتورة إصلاح النظام النقدي من خلال دعم صندوق النقد الدولي، بينما تتجاوز ديون البنك الدولي على الدول العربية أربعين بليون دولار.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد