ترى لو أحدث القتل اليومي لأولاد العالم في جهاته المختلفة في الجنوب والشرق وغيرهما؛ أولئك الذين يقتلون مرات بالرصاص أو بشظايا القذائف والصواريخ أو تحت الدمار والردم وحتى الذين يقتلون جوعاً وقهراً، ما أحدثه مقتل الولد اليوناني في وسط أثينا من أعمال احتجاج عنيف وردود فعل شعبية حادة هزت العالم بقوة، لو حدث شيء قليل من ذلك لتغير العالم بالفعل، ولغيره الأولاد قبل الكبار.
حادثة مقتل طالب المدرسة اليوناني (الكساندروس جريجوربولوس) من قِبل احد رجال الشرطة في السادس من الشهر الجاري حملت مفاجأة كبيرة لجهة حجم ردود الفعل وأعمال الاحتجاج العنيفة. فقد قيل إن البلاد التي شهدت ميلاد أول ديمقراطية شعبية في تاريخ البشرية لم تشهد مثلها منذ أكثر من خمسة عقود، حيث شملت أعمال العنف التي دخلت أسبوعها الثاني عددا كبيرا من المدن فيما شل الإضراب العام البلاد لعدة أيام.
وأضرم المحتجون النار في مبان حكومية ومراكز للشرطة ومقرات شركات، كما امتدت أعمال الاحتجاج إلى  خارج اليونان، حيث لاقت ردود الفعل الشعبية تعاطفا شعبيا وإعلاميا واسعا في أوروبا، فيما شهدت سفارة اليونان في باريس وقنصلياتها في لندن وبرلين تظاهرات عنيفة في الذكرى الأسبوعية للحادثة، ما دفع بالحكومة اليونانية لإصدار قرارات بإخلاء سفاراتها في الدول الأوروبية.
أعمال الاحتجاج العنيف الواسع الذي رد به اليونانيون من عامة الشعب وطلبة مدارس وجامعات وأساتذة وفنانون وسياسيون متقاعدون وصفت من قبل وسائل إعلام عالمية بأنها تحمل "الروح الشرق أوسطية" نظراً لما حملته من عنف وردود فعل انفعالية، أكثر من كون اليونان جغرافياً تنتمي إلى الشرق الأوسط أو على اقل تقدير تقع على تخومه!
على كل حال؛ يا ليت هذا الوصف صحيح فما كنا نحتاج كل هذا العناء في مواجهة كل هذا الاستبداد والفساد، ولو كانت الروح الشرق أوسطية تفعل هذا الفعل لكان أولاد الشرق الأوسط -وهم الأكثر ذبحاً وقهراً وفقراً- قد غيروا العالم مئات المرات.
الحادثة اليونانية تشير إلى تقاليد حضارية وثقافية ترفض الظلم والاستبداد بالسلطة والفساد في تدبير مصائر الناس وأرزاقهم، وهي ثقافة ترفض الخنوع  وتعبر عن ذلك بالأدوات السليمة وبالاحتجاج أيضا. وعلى الرغم أن اليونان المعاصرة لم تنضج فيها الديمقراطية بما فيه الكفاية كما هو الحال في الديمقراطيات العريقة وعانت أكثر من مرة من عودة الدكتاتوريات، لكن المثال اليوناني يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن الديمقراطية تغرس في الثقافة ويعكسها الناس في سلوكهم الذي يمكن له في لحظة ما استعادة الديمقراطية إذا ما حاولت السلطة أو مراكز القوى اختطافها.
اليونان التي أهدت البشرية واحدة من أعظم الحضارات وأولى الديمقراطيات تقدم اليوم المثال الواضح لقيمة غرس الديمقراطية ورفض الخنوع وقيمة الإنسان في الثقافة، حتى وان عبر عن ذلك أحياناً بالاحتجاج العنيف، فلا قيمة للديمقراطية والحضارة إذ لم تحترم حياة الإنسان وتصون آدميته.
مشهد أثينا ودرسها الأخير في حراسة قيمة الحياة يذكر بتفاصيل الرواية اليونانية الشهيرة (زوربا) للروائي المبدع (كازانتزاكي) والتي تحولت إلى فيلم سينمائي قام بأداء دور البطل فيه أنتوني كوين، زوربا ذلك الشاب الحر الشجاع يبدو في الرواية شاباً نهماً بالحياة يعيش كما تملي عليه الحرية متخلصاً من كل الأفكار المسبقة ومن أي أحكام مفروضة، والحرية بالنسبة له هي الأم والمآل الأخير، انه الغرس الثقافي بقيمة الحرية وقدسية الحياة.
في فيلم سينمائي أميركي يعود إلى نهاية الثمانينات، يقوم المدرس بتحريض أولاد الصف الثامن على تغيير العالم؛ وهو يوبخهم على جهلهم بجغرافيا العالم وتضاريس أفكار الآخرين، فيما يفاجئه ولد بسؤال حاد؛ ماذا فعلت أنت لتغير العالم؟" فيرد عليه المدرس فوراً "ما افعله الآن؛ إنني أحيل المسؤولية إليكم"! 

 

بقلم: د.باسم الطويسي​​​​​


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   د.باسم الطويسي   العلوم الاجتماعية   جريدة الغد