ثقافة التستر تنتشر في ضوء ضعف تفعيل مبدأ سيادة القانون وفي غياب نظام إعلامي مهني يتمثل وظيفة الرقابة وخدمة المجتمع والدولة من خلال خدمة الحقيقية.
 ثمة نمط ثقافي سياسي له تعبيراته الواضحة في مختلف مجالات الحياة اليومية، آخذ بالمزيد من الترسخ في جسد الدولة والامتداد الى المجتمع الى ان أصبح اليوم احد مظاهر الحياة العامة، قبل عقدين من الزمن كانت هناك بعض المبررات الموضوعية لتمرير بعض الأنماط من ثقافة التستر، وفيما تأخذ الأسباب الموضوعية في التلاشي والزوال تزداد هذه الظاهرة وتتسلح بالقدرة على التلون والتخفي مصحوبة بثقافة تبريرية أخرى، ما يعني بكل بساطة قدرة الآليات التقليدية للفساد على التجدد وإعادة إنتاج نفسها بقوة وجرأة أكثر .
    ثقافة التستر تتجسد يوميا في علاقة الدولة بالمواطنين وبدوره يردها المجتمع أيضا في علاقته مع الدولة، وتتجسد في علاقة مؤسسات الدولة ببعضها بعضا، يتم ذلك في ضوء ضعف تفعيل مبدأ سيادة القانون وفي غياب نظام إعلامي مهني يتمثل وظيفة الرقابة وخدمة المجتمع والدولة من خلال خدمة الحقيقية.
 في المجتمعات المتحولة كما هو الحال في الأردن يتعلم الكثير من الموظفين الكبار حساسية مفرطة في التعامل مع الوقائع، فهم دائما مسكونون بهاجس ان كل شيء على ما يرام، فيما تفتقد المؤسسات ورجالها في الصفوف الأولى والثانية حاسة القدرة على مراقبة واكتشاف مصادر التهديد أو الوقوف عند مؤشرات الأزمات أو المشاكل، ليس لسبب أكثر من الرغبة في التستر لعل الأمور تمشي وكأن شيئا لم يحدث، حتى تقع الفأس في الرأس، حينها ندخل فوضى كشف المستور؛ هنالك لا يجيد الكثيرون فن الهروب النظيف ويدخلون في فوضى لا أول لها ولا آخر، يحدث ذلك في علاقة الحكومات مع الملك ، ويحدث في علاقة الوزارات مع رئيس الحكومة، وتتجسد الحالة بقوة في علاقة المؤسسات والإدارات مع الحكومة.
   الرغبة في إيهام السلطة الأعلى بصلاح الأحوال وسلامة الأمور تزداد أكثر على طريقة التكنيس تحت السجادة للمشاكل ونقاط الضعف ومظاهر الفساد، وتزداد المشكلة حينما تصبح على مستوى الإدارات الكبيرة،  كما هي الحال على مستوى المؤسسات المستقلة وكذلك المحافظات، الم يحاول العديد من المحافظين أخفاء ما يدور حولهم إلى ان ازدادت الفجوات  في كل شيء  وأحيانا تصل الأمور حد الانفجار، وبالمناسبة تمر هذا الأسبوع الذكرى العشرون لأحداث الاحتجاج العنيف أو ما يعرف بهبة نيسان 1989 التي انطلقت من مدن الجنوب الأردني. ونقرأها اليوم بشكل  أكثر علمية وموضوعية  على اعتبار انها اكبر عملية احتجاج شبه منظم شهدتها البلاد في تاريخها، ساهمت فيها بشكل مباشر ثقافة التستر لدى المسؤولين على مختلف المستويات، إما في عدم نقل الحقيقة حول أوضاع الناس والاتجاهات التي تذهب نحوها الأمور أو في تجميل الصورة  وحصد أمجاد في صراع النخب والأدوار.
  في أحداث أسبوع واحد أو على الأكثر أسبوعين نرصد أمثلة لهذه الثقافة الفاسدة  تصلح حالات دراسية على أنماط لثقافة الفساد، نأخذ على سبيل المثال كيف تعاملت المؤسسات مع مسائل في غاية الخطورة والحساسية مثل سلامة الغذاء كما حدث مع قصة طعام القطط "القمح المنفوش" الذي بيع للأطفال في أكثر من مدينة أردنية وادخلوا المستشفيات فيما تصر مؤسسات على رفض الاعتراف بالواقعة ما جعل صوت حتى تجار التجزئة والباعة الجوالين في الحارات يرتفع أعلى من صوت  ضمير المجتمع لان هناك جهات تتستر على الحقيقية، وفجأة تكتشف الحكومة ان نصف الجامعات مفلسة رغم التنبيهات العديدة على مدى سنوات مضت ليس لسبب أكثر من الرغبة في الإيهام بأن الأمور تمشي في السليم، وفجأة سنكتشف حجم الأضرار التي ألحقتها الأزمة الاقتصادية في بعض القطاعات والتي تسترنا عليها طوال الشهور الماضية.
 وكما تتحمل المؤسسات الجانب الكبير في المسؤولية عن هذه الظاهرة، يتحمل النظام الإعلامي السائد مسؤولية كبيرة في طريقة تعامله مع الشأن العام، وفي ترسيخ هذه الثقافة، بينما يبقى الحديث عن الشفافية ومنظومة النزاهة ومتطلباتها مجرد حديث احتفالي لا أكثر وربما أداة من أدوات التستر.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد