حزب جديد سينزل الى الساحة الاسرائيلية، وقد يصبح لاعبا رئيسا فقط لأن مليارديرا يهوديا ينوي تسخير جزء من أمواله لهذا الهدف. الملياردير هو أركداي غيدماك، اليهودي من أصل روسي. والرجل معروف في اسرائيل ومطلوب للقضاء في فرنسا، ويحيط الشك بسرّ ثروته، ويعتقد أن أصلها يعود الى فترة حكم يلتسين الذي ترك اقتصاد روسيا الضخم لمغامرين بلا ضمير، افقروا الشعب ونهبوا مقدرات البلاد، وبينهم كثير من اليهود.
غيدماك من أصدقاء ومؤيدي نتنياهو، ويدعمه لرئاسة الحكومة، وقد يجلب له نسبة كبيرة من اصوات اليهود الروس في إسرائيل الذين ما زالوا يعيشون في غيتوات، ومعظمهم يتكلم الروسية فقط ويميلون الى الخط اليميني المتطرف. وربما يدارون بهذا التطرف عقدة ذاتية ناشئة عن المواطنة المصطنعة على حساب حياة وحقوق شعب آخر. وقد اشتهر غيدماك خلال الحرب اللبنانية-الاسرائيلية الأخيرة؛ إذ نقل وأسكن في فنادق وإسكانات على حسابه الخاص كل النازحين من الشمال.
نموذج آخر على ملياردير نجح بنقوده في إنشاء حزب كبير، بل وحزب حاكم، هو الإيطالي بيرلسكوني، مالك نادي ميلان ومؤسسات اعلامية كبرى، واستثمارات كثيرة كان ملاحقا عليها بسبب فساد وتهرب ضريبي. لكنه أنشأ حزبا يحمل اسم الهتاف الذي يطلق في مباريات كرة القدم "هيّا ايطاليا"، وأصبح رئيسا للوزراء لأكثر من دورة، وعدّل بعض القوانين فأنقذ نفسه من الملاحقة. وبعد هزيمة ائتلافه في آخر انتخابات، ألغيت تعديلاته على القوانين، وقبل اسبوعين صدرت مذكرة قضائية بالقبض عليه وحبسه.
المال يمكن ان يستولي على الديمقراطية من داخلها، ولهذا السبب ظهرت فكرة التمويل العام للأحزاب من خزينة الدولة، والرقابة العامّة على موازنة الأحزاب وإنفاقها. فمن دون ذلك سيتقاسم بضعة اثرياء الاحزاب والتنافس على السلطة، ويديرون كل النظام السياسي لمصلحتهم. وهذا تقويض للديمقراطية التي تعني مشاركة حرّة ومتساوية لجميع المواطنين في القرار.
وليس الخطر من المال داخلي فقط، ذلك ان دولة ثرية تستطيع ان تشتري اي حزب سياسي في دولة فقيرة ليصبح اجيرا عندها. ولذلك، فالتمويل الخارجي للأحزاب وللسياسيين يعتبر تهمة خطيرة ايضا.
التمويل العام والرقابة على سلامة الإيرادات والنفقات لم يحيّدا دور المال تماما، لكنهما قيّداه. والأنظمة في اوروبا اكثر تشددا من الولايات المتحدة حيث يلعب الرأسمال في الانتخابات دورا اقوى بكثير من أوروبا حيث يصادف ان يكون كبار السياسيين، بما في ذلك المحافظون منهم، من اصحاب الدخول العادية. وبحسب ما سمعنا، فان ميركل، رئيسة الوزراء الألمانية، تسكن بيتا بالايجار.
اذن، فكرة التمويل العام للأحزاب السياسية عندنا ليست بدعة، فهي واحدة من ضمانات النظام الديمقراطي، حيث يتاح لوجهات النظر، أي للمواطنين من خلال الأحزاب، فرص متساوية للتأثير في القرار.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري