القدس الآن غير موجودة في وعي المثقف العربي بل إنها غائبة من وعي الأمتين العربية والإسلامية
مشهد ليلة احتفالية تتويج القدس عاصمة للثقافة العربية لا يتوقف عند الحالة التقليدية في استعادة الألم والشعور باليأس. بل ان ما رافق الحدث من تفاعلات سياسية من قبيل رفض سلطات الاحتلال الاسرائيلية اقامة اي نشاط في القدس الشرقية يرتبط بهذا الحدث، ورفض حركة حماس المتنفذة في القطاع اقامة فعالية مرتبطة بالمناسبة في غزة، فوق ذلك جاء الحدث بحد ذاته بشكل لم يرتق لمستوى أقدام مدينة بحجم القدس وما تمثله من عناوين للهوية والثقافة قبل الصراع والمستقبل والامل.
في تفاصيل المشهد خيبة امل لدى الفلسطينيين من ضعف المشاركة العربية في الاحتفالية. بعض العرب بدورهم علقوا ذلك على حبال الخوف من شبهات التطبيع. فيما ذهب مثقفون فلسطينيون الى التعليق على الحدث وتداعياته بأنه الدليل الواضح على ما تشهده مكانة القدس من تراجع، ليس لدى الرأي العام العربي المطحون بمشاكله اليومية وازماته، التي لا تحصى ولا تتوقف، بل وسط المثقفين العرب الذين وجدوا في حالة الانقسام الفلسطيني نمطا من الثقافة التبريرية التي تعفيهم من المسؤولية والسؤال.
هذه الخلاصة يؤكدها الشاعر الفلسطيني سميح القاسم بقوله: "إن القدس الآن غير موجودة ليس في وعي المثقف العربي فحسب، بل إنها غائبة من وعي الأمة العربية والإسلامية غيابا كارثيا"، مشيرا الى ان رجل أعمال واحد صهيونيا اسمه موسكوفيتش يضع الملايين من الدولارات سنويا لمشروع تهويد القدس وقدم لهذه المهمة أكثر مما قدم العرب كلهم للدفاع عنها.
اليأس من السياسة والتاريخ والمقاومة وكل إشكال التعبير الأخرى، ذلكم هو الوصف الموضوعي لما تبقى من المكون الحي للوجدان الحضاري العربي في مواجهة المقبل، وفي البحث عن المصير الحضاري وسط هذا التراكم الهائل من الخسائر والهزائم الصغيرة والكبيرة التي تعبر عن العجز حتى عن استخدام ادوات الثقافة والتعبير المدني.
يمكنك أن تقرأ في اليوم الواحد عشرات الصحف العربية، تستعرض من خلالها مئات النصوص، جميعها تنهل من بئر واحدة تنشر مسحة من التشاؤم والخيبة وتوطن عن قصد أو غير قصد روح الاستكانة والإحساس بالفوات وبالمسافات البعيدة التي لا يمكن اللحاق بها، وهو الأمر الذي لا يكتفي بالسياسة، بل يتكرر في مختلف مجالات وميادين إنتاج الثقافة من أدب وفكر ومعرفة.
لعل هذه "الروح السوداء" هي التي تحتل اليوم المكان الموضوعي للفرض النقدي الغائب، حينما استبدل بأدوات النعي والقنوط والكآبـة، وهي التي تقف وراء الانسحاب من الشأن العام والخلاص الجماعي نحو الخلاص الفردي.
في حقل الموت المجاني حقل الاتهام الأكبر الذي تحول إلى جسد مثخن بالأوهام والألغاز والغموض، يبدو الإنسان في هذا الجزء من العالم هو الفاعل الملغى في التاريخ حيث تتحول الهوية إلى لعبة الاختلاق الأولى والإحساس المستمر بدونية البعض عن البعض الآخر، والمجتمع هو الشيطان الرجيم الذي يحمل كل الشرور، ويمكن لأي متسول على بضائع الاتهام أن يلقي ما يشاء على شرفة الجريح فالتشاريع والقوانين والإرادات التي تصدر باسمه ودفاعاً عنه دوماً لا تختص به.
فقد العرب الشعور بالألم لقرابة اربعة قرون إلى أن قادت النخب الأهلية استعادة الشعور بالألم في نهاية القرن التاسع عشر، بعد أن أخذت علما بمدى فوات المجتمعات العربية وتأخرها. وبالرغم من الحيوية التي أبدتها المجتمعات العربية خلال العقود الماضية في المقاومة والرغبة في التغيير إلا أن التغيير الذي لم يأت افقدها الشعور بالألم وقبله الشعور بالأمل، فقد تحولت إلى "مجاميع غرائزية" لا تحرص على شيء أكثر من استمرار أسباب الحياة الاولية في هذا الجزء من العالم الذي أصبح بالفعل "ثقبا اسود" في كل ما يشير إلى آدمية الإنسان وكرامته.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد