حينما أنشئت منظمة التحرير الفلسطينية بدعوة من جمال عبدالناصر عام 1964، لم تكن الفكرة في الأصل وفي أبعادها بعيدة المدى تُعنى بالبحث عن إطار عسكري لتحرير فلسطين وتكليفه بمهمة التحرير وحيدا؛ بقدر ما كانت إدراكاً مبكراً من عبدالناصر بأن خلاصة النضال الوطني مهما تعقدت الأمور ستصل في النهاية إلى الجلوس على الطاولات والبحث عن تسوية سياسية، وهو الأمر الذي لا يستقيم مع فصائل شبه عسكرية ومتعددة الأيديولوجيات، بمعنى أن جوهر الفكرة في الأصل كان يقوم على البحث عن مرجعية سياسية للفلسطينيين تجمع التنظيمات كما حدث بالفعل عام 1968، ورغم رصاص حرب الاستنزاف وغبار المعارك الكلامية العربية كان في الأفق آنذاك نوايا تسوية سياسية كانت مبادرة روجرز احداها.
عبدالناصر مات، ولم تعد مصر هي مصر الأولى، ولا منظمة التحرير بقيت كما هي جاهزة حتى للمهمة ذاتها التي شكلت من اجلها، فالإشارات التي رددتها حماس وسبق لأطراف إقليمية أن أشارت إليها تجاوزت قصة إصلاح ما لحق بالمنظمة من خراب وتشرذم، وآخر هذه الإشارات جاء بشكل علني واضح من قبل خالد مشعل ومن دمشق، وعلى الرغم من أن سياسيين آخرين من غزة ودمشق أيضا حاولوا امتصاص ردود الفعل التي فجرتها تصريحات مدير المكتب السياسي، إلا أنه من الواضح ثمة قناعة لدى أطراف عديدة بضرورة حدوث شيء ما في التركيبة الفلسطينية الداخلية يتجاوز مسألة المصالحة كما حدث في صلح مكة، ويتجاوز المعادلة التقليدية التي نمت عبر أوسلو وعلى ضفافها.
هذا لا يعني أن حماس باتت قاب قوسين من ركوب الموجة، بل من الواضح أن قادة حماس ومن هم خلفهم كانوا أكثر إدراكاً للمتغيرات والتقطوا إشارات التحولات المحتملة مبكرا وقبل غيرهم، وتفسر جدية المسألة بتداعي وزراء خارجية الدول التسع إلى اجتماع أبو ظبي بهذه السرعة ليس لشيء أكثر من الرد على تصريحات زعيم حركة حماس.
عدم اليقين باللعبة السياسية يعني إطالة عمر الأزمات السياسية والرغبة من قبل أطرافها بالمزيد من الوقت قبل حسم خياراتهم، ولكن ربما تكون هذه العملية تقنية متفق عليها لتحقيق المزيد من المصالح، وهذا الأمر هو الأرجح ويدل عليه تحليل سلوك الفاعلين في مربع الأزمات والاحتلالات الراهنة من غزة إلى بيروت وصولاً إلى بغداد وطهران وانقره وتل أبيب ، هنا يبدو ان الصراع الفلسطيني الداخلي قد استنفذ أهدافه وحان الوقت لتهدئة اللعب على هذه الجبهة؛ فثمة وقائع جديدة يجب التعامل معها، بمعنى اننا أمام حالة تبادل مصالح قلقة ومغلفة بدعاية متوترة، ومصدر القلق في هذه الحالة يتمثل في عدم يقين طرفي اللعبة بحقيقة نوايا الطرف الآخر، والى أي مدى يستمر تماسك هذا التبادل الصامت، لهذا نجد أن كلا من الطرفين يسعى لإبقاء الآخر في حالة من القلق والتوتر والتحفز المستمر، بينما تستخدم هذه التقنية في نفس الوقت لتحقيق أفضل استثمار للبيئة الإقليمية التي تجري على ساحاتها اللعب المكشوف أي الدول العربية والإقليمية.
كما كانت بدايات المنظمة في الستينيات؛ لم تكن أكثر من مجرد إطار سياسي لاستيعاب تسوية سياسية، يجري التحضير اليوم لصيغة تستوعب الجميع هذه حقيقة قادمة يجب على الفلسطينيين إدراكها، وحتى لو فرضنا أن القصة بأكملها هي بنات أفكار خالد مشعل وأعوانه ومرجعياته، فالقضية الفلسطينية تجاوزت إطار المنظمة وصراعاتها وعقدها الداخلية.
الفلسطينيون بحاجة إلى مرجعية حقيقية تعلو فوق الجراح وتخرجهم من المنطقة الرمادية المعتمة ومن تكاسر البنادق وفوضى الحناجر، مرجعية ذات وزن سياسي وأخلاقي لا يمكن كسرها أو تجاوزها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد