اتسم المنظور الدولي وفق الصياغة الأميركية الأوروبية للأوضاع في الشرق الأوسط على مدى العقود الأربعة الماضية بسمة إدارة الصراع، من دون توفر رغبة حقيقية لتحويل القدرة على حل الصراع الى إرادة تجد مكانها على ارض الواقع، المؤشرات اليوم بعد حرب غزة وحالة الاشباع الأميركي من صراعات وحروب عهد جورج بوش تذهب عكس ما قد يتصور البعض في استمرار منهج إدارة الصراع، بل ستشهد المنطقة شهوة وانفعالا للبحث عن تسويات سنجد صداها في صفقات مفاجئة، وحراك عبر معابر أخرى تحت الأرض، لن تخضع لمنطق الاتفاقية الأمنية بين وزيرة الخارجية الراحلة والأخرى التي تنتظر.
خريطة الأيام المقبلة تشي الى استقرار خلال الأيام المائة الأولى من عهد الرئاسة الأميركية الجديدة، الى ان تستقر الخرائط الإسرائيلية الداخلية، وتتضح صورة الوضع الداخلي الفلسطيني الآخذ في التصعيد، بينما على الأرجح ان تعود الطريق سالكة نحو الشرق الأوسط مع نهاية الربيع المقبل.
تركيبية النخبة الأميركية الجديدة حول اوباما المعنية بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي قد لا تبشر بالخير وعلى رأسهم كبير موظفي البيت الأبيض الى جانب حقائق أخرى، في هذا الوقت نحن أمام مسار سيتعامل مع الوقائع الجديدة، فيما سنشهد عودة من نوع آخر للأوروبيين بقيادة الإنجليز وعلى تراث الرباعية التي يقودها رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير.
الأفق السياسي المنتظر كما قد يكون الممر الآمن لتسوية تاريخية، قد يكون أيضاً برزخاً يؤدي إلى نفق مظلم لا نهاية له، فكما كان هناك نوع من التفاؤل باحتمالات قبول إسرائيلي حذر ومشروط بالمبادرة العربية عده البعض تطورا مهما في مسار التسوية ولحظة مهمة يجب على العرب المراكمة عليها شاهدنا ما آلت اليه الامور وهو الامر المحتمل مع الانفتاح الأمريكي المنتظر على القضية الفلسطينية بعد سنوات من تراجعها، فان ثمة وجهة نظر لا تقل وجاهة عن السابقة تحتكم لخلاصة الخبرة التاريخية في إدارة الصراع وما أفضت إليه من خبرات مهمة في فهم لعبة التعطيل والمماطلة، ترى بان الانتباه الأميركي المنتظر للقضية الفلسطينية لا يفسر بشيء أكثر من الأزمة الأميركية في العراق، واستمرار تعثر الولايات المتحدة في حسم الصراع على الملف النووي الإيراني، فالاقتراب الأميركي من مسك اليد العربية الموجوعة لا يعني الاقتراب من الأمل بتسوية سياسية قريبة، فهناك مكاسب استراتيجية أميركية حيوية في المنطقة تفسر الانفتاح المرتقب وتضع حدودها التقليدية التي لن تتجاوز الاقتراب من مسائل أساسية في العلاقة الأميركية الإسرائيلية مثل المساعدات السنوية التي تتجاوز أربعة بلايين ومسألة المستوطنات واللاجئين، وكلها تصاغ تحت بند امن إسرائيل.
لم تشهد المنطقة منذ عام 1967 حالة من الرهانات السياسية كما تشهده هذه الأيام, فاحتمالات الحرب والسلام مطلقة, ويتوفر لكل منها الحجة والنصيب بنفس القدر، فالحرب الشاملة التي قد نراها ابعد ما تكون هي في نفس الوقت قريبة جداً وفي الحقيقة لم تتوقف, وكذلك السلام! فقد بات اللاعبون الإقليميون فاقدين للبوصلة والدليل أكثر من أي وقت مضى منذ قرابة أربعة عقود لم يتوقف خلالها جدل المبادرات والمحاججات السياسية، وان استبدلت أحيانا الكلمات بالطلقات، الفراغ السياسي الراهن يعني عدم قدرة الأطراف الإقليمية والدولية وعدم نضوج إرادتها في إجراء جراحات عاجلة وجذرية لمشاكل الإقليم وتحمل آلامها, بعد ان بات من الواضح أين تكمن جذور كل هذه التعقيدات. الرهانات المتباعدة تجعل التفاعلات السياسية الحرجة محكومة بالغموض والأسرار والتفاهمات الخفية والقنوات السرية، وهذا النمط من التفاعلات، لا يقود إلى انفراج حقيقي بل يعتم الأفق السياسي أكثر، وهذا ما نخشاه.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد