لدينا لحظة مشبعة بالتناقض والطرافة. فقوانين التنمية السياسية تبدو من جهة مقابلة قوانين الإجهاز على الحياة السياسة، وان الحكومة بدل دعم الاحزاب خططت، بنيّة خبيثة، للإجهاز على  الأحزاب، وتستطيع ان تكون مع احد الاحتمالين، نسبة الى نوع التوقع، هل سيكون ممكنا اعادة جمع 500 مؤسس للحزب الواحد؟!
اذا كان الجواب نعم، فنحن أمام تنمية سياسية، لأن هذا النجاح سيتبعه تمويل وحوافز مختلفة، وتقليص عدد الاحزاب، بحيث تبدو الصورة امام المواطن افضل، والتركيز اكثر. وبالعكس، اذا كان الجواب سلبيا، فهو سيكون الاثبات على ان الشعب الأردني ضدّ التحزب، وسنثبت من عندنا في الاردن نظرية القذافي العتيدة ضد الأحزاب (نظرية الديمقراطية المباشرة) التي تتبنّاها احدى المجموعات عندنا، وتقول انها ترحب بحلّ حزبها اذا تحققت الديمقراطية المباشرة! ديمقراطية اللجان، ومن تحزب خان.
مهما يكن، فمن مفاعيل القانون الجديد انه انشأ على الفور حراكا جديدا، وباشرت الأحزاب كلها البحث في موضوع التوحد والتوسع. وما يشغلني شخصيا هو السؤال عن الأغلبية الساحقة من الفعاليات غير المنخرطة في العمل الحزبي: هل نشأ الحافز لدفعها للمشاركة؟ هذا ليس واضحا بعد، وانا افكر ما هي الدوافع التي تقودها للمشاركة؟
يجب حلّ مسألتين: الأولى، انقاذ الحق المبدئي لأي مجموع في العمل السياسي، وهو حق دستوري استنادا للمادة 16-2 التي تقول: للأردنيين الحق في تأليف الجمعيات والاحزاب السياسية على ان تكون غايتها مشروعه ووسائلها سلمية وذات نظم لا تخالف الدستور. وواضح ان هذا الحق يسري على اطلاقه مع الشرطين الواردين، وليس منهما العدد الذي يمكن ان يكون الحدّ الأدنى لما يطلق عليه جماعة أو تجمع وفق القانون، وهو ثلاثة وأكثر.
والدستور يتحدث عن جمعيات واحزاب، ولذلك يمكن بكل بساطة ادراج حق تأليف الجمعيات السياسية بعدد الحدّ الأدنى الضروري في قانون منظمات المجتمع المدني الموجود الآن لدى الحكومة، ويوجد فيه بالفعل نصّ حول الجمعيات السياسية نرجو ان لا تشطبه الحكومة. واذا كانت هنالك دورة استثنائية لمجلس النواب -ونفترض ذلك، لأن هنالك قوانين عاجلة يجب متابعتها، مثل قانون خدمة العلم- فنأمل ان تدرج الحكومة ايضا قانون منظمات المجتمع المدني.
القضية الثانية التي تستحق التوضيح هي ان الأحزاب السياسية لوائح انتخابية اكثر مما هي مجموع عضوية. ففي الانتخابات ومن اجلها، تنشط الأحزاب التي تصبح اداة تصفية وتنظيم لعملية المشاركة في التمثيل، وتستمر بصفتها القاعدة الشعبية لهذا التمثيل. وان اغلب الفعاليات العامّة لن تنخرط وتهدر وقتها في الأحزاب اذا لم تتحول الى قناة للمشاركة والتأثير في الحياة العامّة.
ولذلك، من المهم للغاية ان ينصّ نظام التمويل العام للأحزاب ليس على تمويل نشاطها الروتيني، من اجور مكاتب ومطبوعات وموظفين فقط، بل اساسا وجوهريا تمويل مشاركتها في الانتخابات. وحتّى يكون التمويل جادا ولمن يستحقون، توضع شروط الحدّ الأدنى (مثلا أن لا يقلّ عدد المرشحين لقائمة الحزب أو الائتلاف عن ثلث مقاعد المجلس وفي عدّة محافظات، وايضا نسبة نجاح معينة)، وهذا سيدفع الى تشكيل قوائم ائتلافية ومشاركة الفعاليات المهمّة والمرشحين الجادّين. من الجيد طبعا ادخال نظام التمثيل النسبي، لكن حتّى من دون ذلك يمكن اعلان قوائم تضم مرشحين من مختلف الدوائر ما دام هنالك تمويل عام لها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري