بمناسبة انضمام "الملكية الأردنية" الى عضوية تحالف "عالم واحد" لشركات الطيران (والملكية أول شركة عربية وشرق أوسطية تحظى بهذه الشراكة التي تتيح امتيازات وتسهيلات وتوسيعا في الخدمات)، حظينا بحفل عشاء فخم في فندق كمبنسكي الجديد على شاطئ البحر الميت.
من شرفة علوية كان المشهد تحتنا يقطع الأنفاس. ولبعض الوقت تأمّلت تفاصيل التكوين الخلاّب وسط الأضواء للبرك والشاليهات النازلة باتجاه الشاطئ، وقبلها الساحة الممتلئة بالموائد الأنيقة للعشاء أمام منصّة مخصصة لإلقاء كلمات سيقدمها عريف الحفل بول حجازين، بروح دعابة وإنجليزية رفيعة تلائم اسمه الأول، في تناقض طريف مع اسم العائلة المغرقة في محليّتها الأردنية والكركية، وفي دمج موفق أيضا بين الفخر بالخصوصيات الوطنية والانفتاح الحضاري والتسويق السياحي، هذا قبل ترك المنصّة لفرقة موسيقية ستعزف مع مطربة لبنانية تغنّي بعدّة لغات، وتقترب من مائدتنا لتصدح بصوت بديع "ليالي الأنس في فينّا".
بالنسبة لواحد مثلي ينحدر من ثقافة يسارية، فإن احساسا غامضا بالإثم يرافق استهلاك هذا البذخ. وتتسلل أسئلة من نوع: كم تكلف الليلة الواحدة هنا؟ وهل لدى الناس العاديين فرصة الوصول الى أماكن مترفة كهذه؟ لكن لا بأس، العالم في الواقع ليس واحدا، ولم تنجح المحاولات لجعله كذلك، وتبقى الحلول لأزمنة قادمة قد تأتي أو لا تأتي أبدا.
الثراء موجود على كل حال، ويجب ايجاد مرافق باذخة تستهلك أموال الأغنياء. وإن لم يكن لدينا مكان كهذا، فهو موجود لدى غيرنا، والمال سيذهب هناك. وهكذا يصبح السؤال معاكسا: هل سينجح الاستثمار بهذه الكلفة؟
ثمّة مرافق جديدة ومشاريع فندقية ضخمة قيد الإنشاء على البحر الميت، وقدّ مرّ وقت كان من الصعب تغطية الكلفة التشغيلية لفندق واحد، فهل يمكن تشغيل هذا العدد من الفنادق الفخمة؟ أعدت ترتيب الموقف وأنا أسرح في المحيط الأخّاذ: شركة طيران ممتازة، وفندق بأعلى عدد من النجوم، ومكان فريد في العالم! لا بدّ ان ينجح الأمر! وكل شيء يعتمد على التسويق. ودعوني بالمناسبة أسوّق المكان من تجربة شخصيّة.
في عطلة نهاية أسبوع، كنت اقنع أفراد العائلة بفوائد الطين الأسود من دون جدوى، لكننا استمتعنا بغرز أقدامنا حتى الركبة في الطين اللزج، والاسترخاء في الماء الكثيف لساعتين. بعد يومين انتبهت ان بثورا مائية كانت تظهر عند حواف القدمين قد اختفت تماما. وقصّة هذه الفقاعات غريبة؛ فهي تظهر كل بضعة اشهر، وتبدأ بحجم رأس الدبوس ثم تكبر لتصبح بحجم حبّة الحمّص، وتسبب آلاما ثم "تستوي" وتزول. وهكذا منذ ثلاثين عاما لا ينجح معها أي تشخيص أو علاج أبدا.
منذ تلك الصدفة على البحر الميت قبل 3 سنوات لم تعد تلك الفقاعات للظهور اطلاقا! لم أكن قد قرأت بين الفوائد العلاجية للبحر الميت عن هذه الحالة، وما زلت مبهورا بما حدث، فهذا أكثر من علاج، إنه سحر مبين!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري