مامن أحد من جيلنا الا ويحمل اسماً اضافياً يرافق اسمه الأصيل، وهو ما يمكن تسميته بالكنية، ويبدو لي أن فكرة اطلاق اللقب أوالكنية كانت تحتاج الى ذكاء خاص في مراقبة الشخص قبل اطلاق اللقب عليه، وهذا الذكاء كان يعتمد عند من يُطلق اللقب الى ايجاد الفرصة المناسبة في أي حالة اجتماعية وأن ينطق هذا اللقب بذكاء وفي الوقت المناسب ويحاول بعد ذلك أن يقود هذا اللقب بالاصرار عليه وتكراره حتى يصبح بعد ذلك حالة ملازمة واضافية للاسم الأول. وذلك برغم نفور صاحب اللقب من هذه الكنية التي قد تصل الى مصادرة اسمه الاساس واحلال اللقب مكانه

ويبدو لي أن الاساس السايكولجي لاطلاق الكُنية يأتي من حالة التلازم الوجودي للشخص المُقترح ووجوده الزئبقي الثقيل وسط الدائرة الاجتماعية الضيقة الى الدرجة التي يصبح فيه الاسم الخاص بالشخص ثقيلاً على النطق، وبالتالي تاُتي عملية اطلاق الكُنية كعملية انقاذ وعملية تخفيف من ثقل تواجد هذا الشخص أو ذاك.

وقد جرت العادة؛ ان يذهب صاحب الكُنية الى مشارب حياتية بعيدة عن واقعه الاجتماعي كي يقوى على التخلص من ثقل الكُنية الموجع، فتراه احياناً يضطر الى الرحيل عن قريته أومدينته لسنوات طويلة كي يتخلص من هذه الكُنية المُزعجة، ومع ذلك فإن بعض الخبثاء الذين يمتلكون ذاكرة عدوانية تراهم يستحضرون تلك الكُنية حتى بعد عشرات السنين، ليجدالرجل الذي تغرب مراهناً على نسيان مجتمعه لهذه الكُنية يعود الى فخ الكُنية من جديد

والغريب أن الكُنيّة كانت ترافق بعض الاشخاص لتدوم الى أكثر من قرن حيث الكُنية تتحول لاحقاً الى اسم للعائلة يرافق افردها واحفادها حتى الممات كأنها اللعنة

وفي زمننا هذا التي تنوعت فيه مشارب الحياة واتسعت وتعددت الاتجاهات المعيشية وكفت الأمكنة عن ضيق مساحتها فقد بدأت مجتمعاتنا تتخلص من عملية إطلاق الكُنى حيث أصبح جيل كامل وكأنه مُعفى من هذه الكُنى الموجعة

وأنا حين اراقب مجتمعنا الأردني واراقب جيل خمسينيات القرن الفائت على كافة مستوياته الاجتماعية تنتابني رغبة بالضحك لا لشيء سوى أن كل واحد منهم يتستر على كُنية أقل ما يُقال عنها أنها مُخجلة


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور