قبل مئة عام وحينما ذهب الابناء والحفدة ليواروا جسد العجوز التسعينية في تلك المقبرة المهملة على طرف القرية، كان جميع من في القرية يعتقد أن العجوز الكركوبة قد أخذت معها كا مكائدها وانتهت من الحياة تماما.

فالعجوز كانت تحمل مواصفات المرأة المحنكة التي لا تحتمل سطوة أي رجل عليها بما فيهم زوجها التي أنجبت منه تسعة من الابناء والبنات، حيث ظلت تعامل زوجها على اعتبار أنه حمولة اضافية على البيت، ولهذا حينما مرض زوجها اخفته عن الجيران خوفاً من الشماتة، ومنعت زيارت الأقارب له، وعزلته في غرفة البيت الكبيرة الى أن جاءه الموت، ومن يومها ضربت عزلة على بيتها وبدأت بتعميق نهجها النسوي الخبيث عند الابناء والبنات وكان تأثيرها عليهم ينتج جيلاً مهجناً لا هو بالانثوي ولا هو بالذكوري، بل هوأقرب بطبيعته الى طبيعة العجوز التي تختلط في روحها حالة الانوثة والرجولة بشكل غريب. وتجعل كل من يقترب منها يشعر بنوع من الأسر الغريب.

هذه الصفة التي تركت فراغاً عجيباً عند الابناء والبنات جعلتهم يشعرون بنوع من القطيعة المرّة مع الحياة ولهذا كانوا يسعون الى محاولة اعادة انتاج العجوز وانهاضها من قبرها من جديد، واسترداد صفاتها القوية الجاذبة والممغنطة

ولم تمر الا سنوات قليلة وإذ بكل حفيد من الحفدة قد اقتبس صفة من تلك العجوز، فالجميع أخذوا منها ذاك البياض في البشرة الذي يجعلك تعود للتحديق في نوعية لون بشرتك والجميع أخذوا منها تلك الأرنبة الحادّة في الأنف، هذا اضافة الى الزرقة السماوية في العينين.

أما على صعيد الاقتباس السايكولوجي فقد كانت تلك الجدّة تتشكل في طبائع الحفدة ونوازعهم الحياتية، الى الدرجة التي باتت فيها تلك الجدّة علامة مميزة لتلك العائلة

والأشد غرابة أن علاقات الزواج بين ابناء هذه الجدّة كانت محصورة بين الحفدة وابنائهم، وأن الزوجة من حفيدات الجدة كانت قادرة على أن تكهرب الزوج وتسرنمه كي يغيب في عالمها ويتحول الى عبد لها.

المهم أن من جايلوا تلك الجدة كانوا يقولون بنوع من الهمس الخبيث ويتساءلون « من قال أن تلك المرأة التي وضعناها قبل مئة عام في قبرها عند طرف المقبرة قد ماتت بالفعل؟».


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور