في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الاسرائيلية ترتكب جرائمها البشعة يوم السبت الماضي في غزة وهي تقصف الأطفال والنساء والمدنيين وحتى رجال الأمن العزل إلا من الأسلحة الخفيفة، أعلنت جامعة هارفارد الأميركية رسميا نبأ وفاة المفكر الأميركي  صامويل هنتنجتون صاحب نظرية  صدام الحضارات، وهي النظرية التي على أساسها خاض الغرب بقيادة الولايات المتحدة سلسلة حروب غامضة باسم الإرهاب بعد ان تحولت النظرية بقدرة قادر الى استراتيجية لإدارة العلاقات الدولية والصراعات وتفاعلاتها على امتداد أقواس الأزمات ودوائر الحروب.
  لم يمت هنتنجتون الذي بررت أفكاره مسار حروب عقدا من الزمن في ملجأ للمسنين كما قال بيان جامعة هارفارد، بل مات بالفعل في شوارع غزة حينما برر الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي وباللغة العربية دماء الأطفال وجثث الناس الأبرياء التي  ملأت المدينة خلال أربع دقائق بذرائع الحرب على الإرهاب، لقد كانت حروب الولايات المتحدة  التي شنتها باسم الإرهاب تحمل شيئا من الغموض الذي بقي لوقت مدار نقاش وجاءت الأدلة والأحداث لتكشف زيف تلك الذرائع وكذبها، بينما تعلن حرب غزة الراهنة جهارا ونهارا موت هنتنجتون الفعلي ونهاية نظريته التي ملأت العالم  ريبة وكراهية مفتعلة. 
  لم يعُرف هنتنجتون على المستوى الإعلامي إلا بعدما نشر بحثه الشهير في مجلة الشؤون الخارجية عام 1993 حول صدام الحضارات على رغم انه معروف في العالم الأكاديمي ومراكز صنع الاستراتيجيات وله أحكامه المعروفة بتطرفها أحيانا، أليس هو من وصف الحالة عندما غزت الولايات المتحدة فيتنام الجنوبية وهجّرت عشرات الآلاف من الأسر  وخلفت مئات الآلاف من الأطفال بلا مأوى وأطلق على ما يحدث (التمدن).
   ذهب هنتنجتون في كتابه "صدام الحضارات وإعادة صياغة النظام العالمي" الى تقسيم العالم إلى حضارات متنافسة استنادا الى التقاليد الدينية مثل المسيحية والإسلام والهندوسية والكونفوشيوسية، وقال إن المنافسة والصراع بينها أمر حتمي ووضع الإسلام والغرب على رأس قائمة الصدام، بينما قدمت جماعات دينية إسلامية غريبة عن ثقافة الناس ومعتقداتهم في العالمين العربي والإسلامي الفرصة التاريخية لتتحول هذه النظرية من مجرد نظرية أكاديمية الى استراتيجية ومسار تاريخي لإدارة العلاقات الدولية ولتحريك سلسلة من الحروب والعدوانية الوقائية، والتي خلفت أكثر من مليون ضحية من أفغانستان وباكستان والهند في أقصى الشرق الى العراق وفلسطين ولبنان والسودان.
  وعلى مدار عقد من الزمن تحولت النظرية الى وصفة جاهزة لركوب موجة العالم الجديد واستراتيجيته العملية، وموضة دعائية لتبرير الحروب والعدوانيات على مختلف الجبهات؛ كانت "الحرب على الإرهاب" تبدو غامضة ولا نهاية واضحة لها, وتشير إلى نهايات مفتوحة ومبهمة؛ وبؤر صراع أُشعلت ويعجز الجميع عن إطفائها, ولا يعرف احد المنتصر ولا المهزوم ولا تدري حتى أطراف الصراع هل انتهت الحرب؟  حيث طرحت مفاهيم جديدة حول النصر والهزيمة وبداية الحرب ونهايتها.
  في آخر حوار له أجرته صحيفة (دي فليت ) الألمانية وتحدث فيه هنتنجتون عن الصراع في الشرق الأوسط كان يشكك في إمكانية التوصل الى تسوية سلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، على أساس التنافر الثقافي وحاجة المنطقة الى قوة قادرة على نظم التفاعلات الصراعية والتعاونية، ويبدو واضحا ان هنتنجتون كان يفهم أكثر من غيره مضامين المواقف الإيرانية الغربية وما يكتنفها من غموض رغم ان ذلك ينسف فكرته حول الصراع الثقافي من أساسها، فهو لم يتورع عن وصف السلوك الإيراني بالبراغماتية والبحث عن المصالح.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد