ما زال الأردن يفتقد لمنظور تطبيقي لمنظومة مفاهيم التجارة العادلة أو المنصفة، بما في ذلك منظومة تطبيقات السوق الرأسمالي الاجتماعي من زاوية أخرى. ولعل السبب الرئيس الذي يقف وراء هذا الضعف يبدو في غياب المؤسسات المدنية النوعية التي تنشر الوعي بالقيمة العالمية المتنامية لهذه الأنماط من التنمية، الى جانب غياب التشريعات التي تسهم في إيجاد الحوافز والبيئة الملائمة ولفت الانتباه لفرص تنموية جديدة.
هناك تراث للعلاقات الظالمة في المبادلات التجارية المحلية ما زال الكثير منها مستمرا للأسف في علاقات البادية بالأرياف، وفي علاقات كل من البادية والأرياف معا بالمدن وفي علاقات المحافظات بالعاصمة. وتبدو الصورة واضحة فيما تبقى من أنماط الإنتاج الفلاحي، وفي علاقات مراكز المحافظات بمئات القرى والبلدات الريفية المحيطة بها في مختلف أنحاء البلاد، حيث طحنت المبادلات التجارية الظالمة على مدى السنين عشرات آلاف من الأسر المنتجة وأطاحت بالتنمية الريفية من أساسها، كما هي الحال في صورة أخرى للمبادلات التجارية الظالمة بين الأغوار على سبيل المثال وسوق الخضار المركزي بالعاصمة.
على المستوى المحلي أيضا، هناك نماذج أخرى للمبادلات الظالمة مثل مراكز الإدارة والمقرات الرئيسية للشركات الانتاجية الكبيرة في البلاد وفي مقدمتها الشركات الاستخراجية التي تقوم على استخراج الثروات الطبيعية، مثل الفوسفات والبوتاس والاسمنت وغيرها.
بالعودة الى الفكرة المركزية للتجارة المصنفة، فهي ترجع الى مقاومة العلاقات الاقتصادية الظالمة بين الدول، وبالتحديد تقسيم العمل الدولي، وما لحق به من تطورات مع تصاعد العولمة التجارية، حيث استطاع هذا النمط الجديد من التجارة ان يحتل مكانة مهمة في المبادلات الدولية الجديدة.
في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، افتتحت بعض المنظمات غير الحكومية الغربية، التي عُدّت مغامرة وحالمة حينها، محلات صغيرة ومتناثرة في بعض المدن الألمانية والسويسرية والهولندية لبيع بعض المواد الزراعية والصناعات اليدوية القادمة من بلدان إفريقية أو آسيوية أو أميركية لاتينية، حيث كانت تدار في ذلك الوقت من مؤيدي المساواة والعدالة والتجارة المجزية بين الشمال ودول جنوب، اطلق على كل محل من هذه الدكاكين (دكان العالم)، حيث نجحت إلى حد ما في استقطاب نوعية من المستهلكين يحاولون إرضاء ضمائرهم، لكنها لم تتمكن من تحقيق الاختراق كما هي الحال منذ بضع سنوات وفي بعض الدول مثل التجربة السويسرية التي ارتفعت فيها نسبة الشركات التي تراعي مبادئ التجارة المنصفة الى حوالي 17%، حيث تبرز معاني تدعو للتوقف عند العلاقة بين أغنى المستهلكين والمنتجين مقابل أفقر المنتجين في العالم.
مبادرات التجارة العالمية العادلة والمنصفة ليست مجرد سوق خيري عالمي، فقد أثبتت آخر الدراسات ان المزارعين في الدول النامية يربحون 30% أكثر من خلال التعامل مع الشركات، التي تعتمد على التجارة العادلة، مقارنة مع شبكات توزيع المنتجات الغذائية العادية. ولعل واحدا من أهم الأمثلة على الإنجاز في هذا المجال انتشار (دكاكين العالم) في مئات المدن الغربية وزيادة الطلب عليها، الى جانب الاختراق المهم الذي أنجزته العديد من المؤسسات الغربية في هذا المجال، ومنها مؤسسة (ماكس هافلار) الهولندية الأصل في نشر مبادئ وقيم التجارة المنصفة في العالم حيث عملت على مدى أكثر من عقدين على إنشاء نظام يوفر حماية جيدة لصغار المنتجين ضد تقلبات السوق العالمية.
المجتمعات المحلية في المدن والقرى الأردنية تحتاج الى تعريفها بفرص من هذا النوع، فالقطاعات الإنتاجية المحلية والشركات والمشاغل والمزارع العائلية والصغيرة يمكن ان تجد مكانها في (دكاكين العالم)، لدينا أفضل المواصفات وأجود المعايير السياسية والاقتصادية أيضا ليقبلنا العالم في منظومة التجارة المنصفة.

 

بقلم: د.باسم الطويسي​​​​​


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   د.باسم الطويسي   العلوم الاجتماعية   جريدة الغد