نتعلق ببيوتنا بنوع من الصمغية التي يصعب الفكاك منها ولهذا من الطبيعي ان تجد العائلات في رحلات الربيع تبدو وكأنها تقترف اثما وتظل في حالة اعتذار لحين انتهاء الرحلة والعودة الى البيت.

بالأمس اكتشفت هذه الخاصية عندي عندما جلست في صالة بيتي الساعة الرابعة عصراً وذلك حين شعرت بشمس بداية المساء تغريني بالخروج، فقد احسست بتلك الحالة الصمغية تشدني الى المقعد، فما كان مني الا ان نهضت بعصبية وكأني امسح هذه الصمغية برغبة المساء الربيعي الذي دعاني على حين غرة للخروج وخرجت.

كنت اسير وكأني مكسرنماً باتجاه شارع الثقافة وحين وصلت الى الشارع رأيت مقعداً خشبياً يلتمع باشعة الشمس وكان ان جلست وانا اتشرب بوجهي تلك الاشعة الربيعية الرقيقة وهي تلسع ملامحي بقسوة لذيذة.

مر من جانبي شاب يتحدث بعصبية وهو يقرع حبيبته او زوجته وهو يقول لها بصوت عال «انت نكرة انت لا تستحقينني انت حينما تتحدثين معي هاتفيا اشعربالغثيان والقرف»، بالمقابل مرت من جانبي فتاة كانت تبدو مُثقلة بجسدها الفتي وهي تهمس بالهاتف الذي تحمله بصوت يكتنفه الغنج والدلال. الى ذلك مرت خادمة فلبينية تدلل طفلاً في عربة وتناغيه دون حنان او بنوع من ذاك الحنان القسري المدفوع الاجر. على المقعد الذي اجلس عليه جلس شاب كان من الواضح انه يعاني من ضجر صعب، وقد باغتني حينما سألني عن الساعة، فقلت له متضايقاً « ولكن لماذا تسأل عن الوقت؟» فرد بسرعة وكأنه يدافع عن نفسه «اود ان أضبط التوقيت في هاتفي الجوال»

تطلعت الى الشاب الذي كان يشاركني المقعد فلم اجده

تطلعت الى مساحة السماء المتاحة فوق راسي فرأيت طيوراً تزقزق بفرح عجيب الى درجة ان اجسادها الصغيرة ك تكاد ترتطم ببعضها. وكان هذا المناخ العصافيري يمنح الجو بهجة سماوية غامضة.

فجأة فكرت بجمالية الاقامة في الشارع ، حيث لا تلفاز ولا كمبيوتر ولا فيس بوك ولا علاقات حامضة تسل من الروح هنا تكون معفى من ضريبة العلاقة. ان العلاقة هنا تكون مع الوجوه فقط مع الوجوه دون اي ضريبة.

وهنا تكمن المتعة


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور