الناس بحاجة ماسة أن يصل الى إدراكهم بالأفعال والأقوال أن الدولة قوية وأنها بالفعل هي الحارس الحقيقي لمصالح المجتمع ومستقبل أجياله
كانت وما تزال أزمة الوعي بالدولة وقيمتها واحدة من أمهات الأزمات في الفكر السياسي العربي المعاصر، وهو الأمر الذي تفسره أزمة الدولة الوطنية في عهود الاستقلال، في الأردن لم يكن الحال يختلف كثيرا لوقت قريب، فلم تكن الإشكالية رغم عمقها في التكوين السياسي والمجتمعي تطرح بقوة وجرأة، ليس كما يبدو للوهلة الأولى لسبب يتصل بتحفظات سياسية أو مخاوف أمنية، ولا حتى خشية من غبار حروب الدعاية الايدولوجية العربية.
الكثير من المعطيات تؤكد ان غياب الوعي بالدولة وقيمتها يرتبط بكل بساطة بأسباب معرفية نتيجة ضعف تكوين النخب السياسية الرسمية مقابل تأخر ظهور أو انشغال النخب المدنية والأهلية بمسائل وصراعات أخرى ، فهل ثمة مؤشرات على تحولات جدية في هذا الشأن؟
معرفيا وتاريخيا، تؤسس المجتمعات أو أنويتها المبكرة، الأشكال الأولية للتنظيم ثم الشكل المبكر للدولة، وتقوم الدولة بدورها باستكمال تكوين المجتمع وتشكله، في الدور الثالث ينمو الجدل المبدع في التقدم نحو العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع حيث تستقر الهوية وتبدأ القيم الكبرى بالتشكل وتتكون الكتلة التاريخية من مثقفي الدولة وحماة قيمها، الدولة الأردنية ما تزال تراوح عند حدود الدور الثاني ولم تلج بشكل واضح الى الدور الثالث.
في السنوات الخمس الأخيرة أخذت بعض الملامح الأولية من الوعي بقيمة الدولة ككيان مستقل متمأسس بعمق مجتمعي تبرز على استحياء وتردد أحيانا، ولعل تحليلا لأحدى أدوات التعبير واقصد هنا الصحافة المحلية تدلل بشكل جيد على بدايات هذا الوعي الجديد لدى جيل مختلف من الكتاب والمعلقين وسط زحام من الكتابة الجديدة الرديئة ومن غياب لأبسط  معايير المهنية.
هذا التطور لم تحسم ملاحمه بعد، ويبدو كالكائن الحي يملك القابلية للاستمرار والنمو كما انه مرشح الى الانتكاس والزوال، اهتمامات المثقفين الأردنيين ، كما تعكسها على سبيل المثال صحيفة الغد في مواد "الآراء" اليوم لم تكن قبل عقد تعكس كما هو الحال اليوم بوضوح مفهوم الدولة وتحرض على الوعي به وبالقيم الناظمة له، بل بقيت الإشكالية السياسية والمجتمعية بأبعادها المعرفية تلقي بظلال من الحُجب والضباب على هذا المفهوم في الممارسة وفي التنظير كما هو الحال في أدوات التعبير.
على الرغم من ان هناك أشياء وممارسات كثيرة لم تتغير، إلا ان ثمة لحظة تاريخية تبدو فيها التماعة وعي تؤسس لبناء كتلة غير متجانسة فكريا ولا اجتماعيا ولا تنتمي الى طبقة اقتصادية- اجتماعية واحدة، وربما كتلة لا تلتقي حول مصادر مشتركة للمنافع، لكنها تعبر عن وعي بمصلحة مجتمعية عميقة ومصيرية بقيمة الدولة من اجل الفرد والمجتمع والمؤسسات وحتى والسوق، وهذا مقدمة لعملية تاريخية طويلة مرت بها مجتمعات العالم حتى تتعمم هذه الحالة وتصبح ثمة قناعة لدى الجميع ان الجميع يعمل من اجل الدولة لأن مصلحته الشخصية مرتبطة بمصلحة الدولة.
بالفعل، تبدو قيمة هذا التحول المبكر في ان أشياء كثيرة وممارسات واسعة لم تتغير لا في بنية الدولة ولا في طريقة لأداء العام أو مضامينه، أو في تعبيرات المجتمع وممارساته وافرازاته أيضا؛ فما تزال الحياة السياسية شبه مفقودة، وما تزال الحكومات الرشيدة أكثر ما تفقده الرشد، وما تزال التنظيمات السياسية مسكونة بغربتها وهواجسها فيما المجتمع المدني يطبخ على دخان من دون نار.
المجتمع يمثل دائرة النشاطات الحرة والمستقلة للحياة الخاصة والمهنية والسياسية والثقافية بصيغها المدنية والأهلية والخاصة التي تمارس في داخل حدود الدولة، ومن اجل الدولة وباسم الأفراد والمؤسسات الذين يعبرون عن مصالح لا تتحقق إلا بحضور الدولة، وهذه وجهة النظر الممثلة لصيغة المجتمع المدني بعد ان أنضجتها  تجارب تاريخية عديدة ومريرة. 
لا يمكن البناء على فكرة الدور البنائي للمجتمع  من دون ربطها بقوة الدولة وحضورها؛ المجتمع العضوي الذي يوصف بالمشاركة الأوسع والأكثر تفاعلا وتأثيرا هو المجتمع الذي يصب في قوة الدولة، هنا لا نكتفي بفكرة وعي الأفراد والنخب بالدولة وقيمتها، بل ننتقل الى الجذر وبيت القصيد وهو وعي الدولة بذاتها وهو الأمر الذي ما يزال في دائرة الغموض.
الناس بحاجة ماسة أن يصل الى إدراكهم بالأفعال والأقوال أن الدولة قوية، وأنها بالفعل هي الحارس الحقيقي لمصالح المجتمع ومستقبل أجياله، وفي لحظات الآلام تبدو الأشياء أكثر وضوحا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد