بعض المهارات او بعض الفنون تحتاج الى عمق حضاري يسعى الى تثبيت حضورها والتأكيد عليها، وفن الاعتذار، وتقديمه في الوقت المناسب ربما يكون من أهم الفنون التي افتقر لها العربي عبر تاريخه.

ورغم بساطة فكرة الاعتذار الا ان التعمق في ادراك آثارها الايجابية على الجهة المعتذر اليها، يجعلنا ندرك اننا لو امتلكنا فكرة ثقافة الاعتذار لكنا وفرنا على تاريخنا الدموي هذا العديد العديد من الانحناءات القاتلة التي مازلنا ندفع ثمنها هذا حتى بعد قرون كثيرة.

وفكرة فن الاعتذار تتعدى حالة الخلاف بين شخصين ومحاولة احدهم ان يعتذر عما بدر منه، لتصل الى مستويات جمعية ربما تقوم على ان يبدأ الزعيم او القائد في لحظة صفاء زعامية بتقديم اعتذاره المعلن لشعبه عن حماقة تاريخية ارتكبها بحق شعبه، أو أن يقوم صاحب مذهب فكري بالاعتذار المعلن امام اتباعه بالاعتذار عن المرجعيات الفكرية التي قدمها لهم، وأن يصل به الأمر بالاعتذار العلني عن هفواته الفكرية التي ورط بها مريديه. وفن الاعتذار ربما يقتضي من الفنان والمؤلف الذي اغرق العالم بهرطقات كتابية ان يتوقف ليعلن في الفضائيات والصحف بانه يتراجع تماماً عما قدمه من حبر معتذراً عن فهاهة ما قدمه من فن وكتابة

وفن الاعتذار ربما يجعل مدير دائرة يقوم بجمع موظفيه في اجتماع عاجل ومباغت ليقدم لهم استقالة يعلن فيها عن فشله الاداري وعدم قدرته على ادارة عجلة الدائرة التي يترأسها بالشكل المطلوب.

لكن من يراجع تاريخ الحمق العربي المتوارث على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية يكتشف ان العربي قد احترف ممارسة كل الفنون باستثناء فن واحد هو فن الاعتذار. والسبب على الأرجح يعود الى فكرة بسيطة ترسخت في وجداننا الجمعي تاريخياً مفادها ان الاعتذار هو حالة ضعف بامتياز وهي كشف معلن عن هذا الضعف.

والغريب ان مسألة فن الاعتذار لم تقتصر على العربي وحده بل صارت تتخذ شكلها الأممي، بحيث صرنا نشاهد شعوباً استطاعت أن تفتك بشعوب أخرى من خلال مذابح جماعية، وكل المطلوب منها هو الاعتذار فقط، لكنها ويا للأسف ما زالت تكابر في منح الشعوب المتضررة منها في تقديم الاعتذار اللائق.

وهكذا نلحظ ان أُس مشكلاتنا الحضارية هو فقدان مهارة فن الاعتذار في الوقت والزمن المناسبين، وأن اقدامنا الجريء على ممارسة هذا الفن هو الذي يريحنا من العديد من الحماقات التي صارت تتورم وتنغص حياتنا.

انه ببساطة يُسمى فن الاعتذار


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور