لعل الفرق بين حضارتنا العربية والحضارة الغربية هي ان حضارتنا العربية قد قامت بقطع مشيمتها مع الطبيعة، ومارست هذه القطيعة بنوع من العدوانية المتعمدّة، التي تقوم اساساً على قطع دابر الصلة مع الطبيعة، سواء بشق الطرق أو باقامة الابنية الاسمنتية التي صادرت الخضرة والاشجار من معظم الاماكن، بينما ظل الغرب على علاقة حميمة مع الطبيعة.

وأعترف اني وبالامس قد شعرت بالغيرة الحضارية من خبرين متجاورين في «الدستور» الأول يتحدث عن انشاء خلايا نحل على سطح مبنى البرلمان الفرنسي وان هذا المشروع سوف ينتج ما يزيد عن ال150 كيلو من العسل الصافي سنوياً.

أما الخبر الثاني فيتعلق بمشاركة السيدة أوباما بعض الطلاب الامريكيين بزراعة أشجار الكرز في المساحة المحيطة بالبيت الأبيض، كنوع من التواصل مع طبيعة المكان الذي اشتهر اساساً بزراعة اشجار الكرز

وبالعودة الى طبيعتنا في التعامل مع الارث الشجري للمكان او محاولة الاستفادة من أسطح البنايات فلعله من المستحيل تصور ان تقوم وزارة الزراعة الاردنية بالاستفادة من سطح مبنى البرلمان الاردني والعمل على اقامة خلايا نحل للاستفادة وجني محصول النحل.

وأقول مستحيل لا لشيء سوى ان نحافظ بالعمل على منح ابنيتنا الحكومية حالة من الجلافة الاسمنتية، بحيث تبدو واجهات هذه الأبنية صارمة وجلفة ولا تقبل الحنو

والأمر ذاته ينطبق على برارينا التي كانت خضراء وقمنا بالزحف الاسمنتي عليها، لا بل ما زلنا نقوم باختراع المشاريع البنائية التي تقوم على قطع الاشجار واحلال الاسمنت مكانها

هذا عداك عن شلة «الحطابين» الذين يغافلون غاباتنا بالنهوض ليلاً وهم يحملون الفؤوس والبلطات والمناشير لقطع الأشجار وبيع خشب هذا الأشجار لتجار الحطب ليتحول الى نار تحترق في المداقىء

وعلى الصعيد الشخصي فانا فخور انني جايلت بعض الرجال في ستينيات وسبعينيات القرن الفائت وكيف كنت اراقب ايدهيم وهي تعامل اغصان الاشجار بحنو نادر، وكيف تحفر التراب بيديها لتضع الغرسة الطازجة التي كانت تتحول مع نمو اعمارنا الى شجرة وافرة الظلال.

وقد ذهب الحنو في التعامل مع الشجرة انهم كانوا يقولون عن غارس او غارسة الشجرة التي تثمر وتنمو بسرعة ان «ايده خضرا»

الى هذا الحد قتلنا طبيعتنا الخضراء والى هذا الحد قطعنا مشيمتنا مع الطبيعة ومشينا في جنازتها


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور