يبدو الحزن الإيراني عميقا هذه المرة، فالحلم الذي تشكل في صيف نهايات السبعينات يزحف فوقه الجفاف بينما الناس ينهشهم الطغيان والفقر
اتخذ الكثير من المراقبين من تصريحات المسؤول الأمني الإسرائيلي التي دعا فيها الى التقليل من احتمالات التطورات الراهنة في إيران على اعتبار انها لن تحدث أي تحولات في تركيبة النظام الإيراني أداة للاتكاء عليها في تبني فرضية تواضع قدرة الإيرانيين على إحداث التغيير من الداخل، ومن قبل النخب ذاتها التي نشأت وترعرعت في كنف الثورة الإيرانية، وعلى هذا الأساس تجنبت دوائر سياسية غربية عديدة وعلى رأسها الإدارة الأميركية الإفراط في التعليق على ما يحدث هناك لسبب أو آخر لعل أهمها عدم منح الرئيس الإيراني المختلف على شرعية انتخابه عناصر قوة أخرى تعتمد على التدخل الأجنبي أو وصف حركة الاحتجاجات الداخلية بأنها تدار من الخارج.
  كرة الثلج الإيرانية مرشحة ان تتدحرج أكثر، وثمة ظروف موضوعية لتحولات داخلية، يبدو ذلك واضحا رغم وقف الاحتجاجات ودخول طهران في صيف كئيب، ولعل انضمام محمد خاتمي الرئيس الإصلاحي السابق الى جانب مرشحي الانتخابات الرافضين لشرعية نجاد في الرئاسة علامة على الطريق، حيث لا يتوقف التصعيد الى هذا الحد مع ازدياد الإشارات الى إمكانية تقديم مير موسوي للمحاكمة  بتهمة تهديد استقرار الدولة والإفساد في الأرض حسب وصف المحافظين، ما يعني ذلك عمليا المزيد من التوتر والمزيد من الاحتمالات.
  ما يحدث في إيران ليس ثورة مخملية على طريقة حركات الإصلاح الليبرالية التي خرجت في شوارع عواصم أوروبا الشرقية قبل اقل من عقدين، فالذين يقفون خلف حركات الاحتجاج هم من أعمدة النظام الإيراني ومن رجال الدين أنفسهم، ومن النخبة الرسمية التي كان لها اليد الطولى في سنوات بناء الثورة الأولى؛ وهم بالتالي ليسوا شيرين عبادي ولا اكبر جانحي ولا جماعة مجاهدي خلق.
 بعيدا عن جدل الصراع على الأدوار في الشرق الأوسط بين الإيرانيين والعرب، بقيت الثورة الإيرانية والدولة الجديدة التي بنيت على أكتافها فكرة وممارسة مثيرة للشجون والتساؤل من دون ان ننكر الإعجاب بالعديد من إنجازاتها حتى من بين أكثر من ناصبها العداء، لكنّ ثمة إدراكا متزايدا ان المسار الذي اخذته دولة الثورة وتحديدا في السنوات الأخيرة يحمل بذور التهديد من الداخل إذا لم يُسارع الى التصحيح الذاتي، يبدو ذلك في سيطرة الخطاب الديني المغلق وكل ما يقال تحت منظومة حقوق الانسان والحريات العامة وإعادة تعريف الممارسة الديمقراطية والتخلص من الفكرة الدعائية القائمة على اختصار الديمقراطية بالانتخابات تحت عباءة المرشد الديني ووصايته.
  يبدو الحزن الإيراني عميقا هذه المرة، فالحلم الذي تشكل في صيف نهايات السبعينات يزحف فوقه الجفاف بينما الناس ينهشهم الطغيان والفقر في بلد معدل ما يدخله من النفط وحده يتجاوز مائة بليون دولار سنويا، وكأنه المرض العضال الذي كررته الكثير من الثورات التي تعجل في الموت حينما تبدأ بأكل الأخضر واليابس بدءا بأبناء الثورة وليس أحفادها، وحسب الشاعر العربي المعروف "ادونيس" الذي كان بين نخبة من كبار المثقفين العرب الذين لم يخفوا إعجابهم بالثورة الإيرانية في بواكيرها، في قوله قبل أيام قليلة: إن الدولة التي تقوم على التأدلج الديني والإرادة الإلهية دولة محكومة بكونها نظاما قمعيا يدير بشرا مستسلمين منقادين فكرا وجسدا ومعرفة.
  المسألة ليس في مقتل مدنيين أو خبر ذبح شابة في احد شوارع طهران تتلقفه وسائل الإعلام الغربية، انها في خيبة أمل جيل بأكمله من حقه ان يشعر من الداخل بأنه تحت ظل دولة قوية بالديمقراطية ونوعية الحياة والعدل. من بين النكت التي حيكت بعد سنوات من الثورة في الثمانينات من القرن الماضي "أن رجلا إيرانيا كان يسير إلى الخلف وسط أحد شوارع طهران، مكرراً كلمات غامضة وحين سئل عما يفعل كان رده: "أنا اسحب مظاهراتي التي شاركت بها إبان الثورة".
  جانبا من الشعور بالكآبة وممارستها وسط الشارع الإيراني على ما حدث وفي انتظار المجهول؛ وصفته نزيلة فتحي لصحيفة النيويورك تايمز، حول إغلاق الجامعات وتأجيل الامتحانات وإحجام الآباء عن إرسال أطفالهم الى الحضانة، وإغلاق بعض الصحف، وخلو الشوارع من الحركة والزحام، وتراجع مبيعات المتاجر الى النصف، لكن ربما الأكثر بلاغة من ذلك كله ان صالونات التجميل النسائية التي عادة ما تشبه خلايا النحل كانت على مدى الأيام الماضية شبه خالية حتى ان العاملات في بعض الصالونات كن يقصصن ويصففن شعور بعضهن؛ الم يفعل ذلك رجال الثورة ببعضهم أيضا!

 

​​بقلم: د.باسم الطويسي​​​​​


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   د.باسم الطويسي   العلوم الاجتماعية   جريدة الغد