لم يعد هناك اهميّة خاصّة لإحياء ذكرى النكبة فقد جاءت بعدها نكبات ونكبات. وقد صحا جيلي على "نكسة" الـ 67 وما كنت لأتخيل ابدا بعد تلك الإهانة شديدة القسوة اننا سنلقى ما يشبهها مرّات ومرّات.
والحق أنّ النكبة الأولى كانت تجزئة المشرق العربي، فقد رسم ذلك كل الكوارث اللاحقة، ولنتخيل لو ان الجزيرة والهلال الخصيب كانتا دولة واحدة او كل منهما دولة أو بلاد الشام وحدها دولة!
والنكبة الثانية هي الردّ على النكبة الأولى بأنظمة حكم دكتاتورية عسكرية. والنكبة الثالثة هي الردّ على سطوة الأنظمة وفسادها بالهروب الكبير الى أمجاد الماضي بدلا من مواجهة المستقبل.
هكذا قرضنا القرن العشرين ونحن نردّ على النكبات بالوقوع في أخرى جديدة. وهل الهزائم العسكريّة المريرة الا الابن الشرعي للواقع البائس والخيارات الخاطئة. ولا أعتقد صحيحا الادّعاء بأن طريقا آخر كان سيقودنا إلى نصر عسكري لكن من المؤكد انه كان سيجنبنا هزائم واهانات تالية.
منذ هزيمة مشروع الدولة العربية الكبرى في المشرق (محاولة محمد علي الكبير ثمّ محاولة الشريف الحسين بن علي) ما كان ممكنا لموازين القوى ان تسمح بنصر عسكري، وقد كان السائد عندنا ان هزيمة 48 كانت خيانة، فكيف تهزم "عصابات" جيوش ثلاث دول عربية اضافة لجيش الانقاذ الفلسطيني، لكن بمراجعة الحقائق والأرقام دهشت أن ما نسميه عصابات كان يفوق عددا (أكرر عددا) وعتادا مجموع الجيوش المقابلة لها. كانت العصابات جيشا حديثا لديه طائرات تقصف العدو ولديه تسليح احدث وافضل من مجموع خصومه.
نظرية الخيانة أو المؤامرة كانت وبالا علينا، لأننا بقينا نعيش وهم اننا قوّة جبارة مكتّفة الذراعين، وأن وجود قيادة وطنية مخلصة (تطلقنا) على اسرائيل يحلّ المشكلة، واستثمر العسكر الانقلابيون هذا الوهم لتقديم انفسهم كبديل وعلى حساب الديمقراطية والمشاركة المدنية في السلطة.
كان الاعتقاد السائد عن حرب اكتوبر 73 ان تخاذل السادات عن المضي قدما اثناء الحرب هو سرّ تحول النصر الى هزيمة وتمكين اسرائيل من القيام بالهحوم المضاد، لكن الحقيقة بشهادة رئيس الأركان الشاذلي ان اندفاع السادت الى الأمام بعيدا عن شاطئ القناة كان هو الكارثة، فقد كانت خطّة الشاذلي البقاء تحت مظلّة حائط الصواريخ القائم على الضفّة الأخرى ومداها يمتدّ فقط 10 كيلومترات شرق القناة، لكن تحت الحاح السوريين لتخفيف الضغط عليهم ونشوة العبور ونصائح خبيثة وغادرة تقدمت فرق الدبابات لتحصل أكبر مجزرة دبابات في تاريخ الحروب.
ربما يسهل الوقوع في سوء تقدير مع الإسرائيليين الذين يقلّ عددهم عن سكان جزء من القاهرة، لكن ماذا عن حرب الخليج الثانية عام 91 والاعتقاد الذي ساد فعلا ان صدّام سيهزم اميركا! للتهرب من المساءلة والمحاسبة ودفع الثمن، أشهروا دائما مقولة "إنّ الحرب مفروضه علينا"، وهكذا يقفل الحساب، بالمقابل ماذا تفعل اسرائيل؟ بعد حرب اكتوبر حاسبت نفسها بصرامة لأن القيادة لم تتوقع الهجوم وبعد حرب لبنان حاسبت نفسها بصرامة لأن القيادة دخلت الحرب دون تحضير كاف وتصور واضح للأهداف.
الحقيقة اننا ومنذ نكبة 48 ما كان يجب ان نفكر بالحروب ابدا. كان يجب التفكير فقط في الاصلاح والتنمية، الى ان نرى مؤشرات النمو تقول مثلا ان الناتج الوطني الإجمالي في سورية يساوي اسرائيل، وقتها نعرف اننا مجتمع منتج منظم قوي وقادر ولديه الكفاءة للدخول في مواجهة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري