ودعت بريطانيا الاسبوع الماضي اخر جنودها الذين شهدوا الحرب العالمية الاولى، والذي توفي عن عمر 111 سنة، في وداعية حاشدة وذات هيبة ووقار وصفتها وسائل الاعلام بأنها تعيد الى الاذهان ابهة الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وتذكر بزمنها، المسألة هنا، على اهمية ما يعنيه الحدث من نهاية حقبة زمنية وغياب اخر شهودها وهي الحرب العالمية الاولى التي لم تغير وجه اوروبا فحسب بل العالم، تكمن في قدرة الشعوب على اعادة انتاج الاجندات الوطنية وصناعة الرمز الوطني.
هاري باتش وهو اسم ذلك الجندي كان مجرد شخص عادي مغمور ومتواضع دخل الجيش البريطاني ضمن الخدمة الالزامية وعمره 18 عاما، وشارك في معارك سلاح المشاة في بلجيكا وغيرها، اعاد يوم وفاته انتاج وصياغة المشاعر الوطنية للانجليز الذين حضروا الى ويلز للمشاركة في الاحتفالية الكبرى حيث رفع جثمان الجندي الملفوف بالعلم يلتف حوله جنود من بريطانيا فرنسا والمانيا وبلجيكا، بينما تتحول الحادثة الى محطة للنقاشات العامة تثير انتباه شريحة واسعة من الرأي من العام، فحادثة من هذا النوع تحولت الى مناسبة وطنية باعادة التوحد الوطني خلف شخص عادي، حتى هذه الامم التي نعتقد انها باردة في تكوينها الانفعالي تملك القدرة على ترجمة مشاعرها وصياغة التعبئة الوطنية خلف جندي كان قبل لحظات من وفاته مجرد شخص مغمور.
ضربت الحرب الكبرى قبل ما يناهز القرن عمق المجتمع البريطاني ويقدر عدد ضحايا تلك الحرب من البريطانيين ما بين تسعمائة الى مليون ضحية، حتى ان هذه الحرب كادت ان تقضي على جيل كامل من الشباب. ويقدر ان كل اسرة بريطانية مستها جراح الحرب ولا تكاد توجد بلدة او قرية الا ويوجد فيها نصب تذكاري يخلد ضحايا تلك الحرب.
ان القيمة المعنوية الحقيقية لصناعة الاجندات الوطنية اي البناء المعنوي في مجتمع ما ومع تمايز الثقافات واختلاف الاولويات ترتبط بمدى قربها من الناس بالفعل، وتعبيرها عن احوالهم، الامر الذي يمنحها الصدق ويؤهلها ان تكون احد دوافع العمل والانجاز والانضباط والتضحية، وحينما تخلو مضامين البناء المعنوي من القيمة والمعنى وتعتمتد فقط على الانشاء وحشد الانفعالات السريعة، فانها حتما لن تقابل بالصدق ولن تمنح صفة الالزام الاخلاقي.
هذا ما يعدينا الى سياق مسائل البناء المعنوي في الثقافة العربية وما يعانيه من غربة ومن تزييف، وما يعبر عنه في الخذلان الذي يعيشه الناس في بُعد الدولة الوطنية عن آمالهم واشواقهم، ومن هنا تحدث الفجوة المعنوية بين المثال المبتغى والذي يستحق التضحية وبين الصورة الراهنة المملوءة بالتزييف.
الرمز يعبر عن نسق من الأفكار والمعاني المحققة في أذهان الجماعة الإنسانية عن طريق عملية الغرس الثقافي والتنشئة الاجتماعية. وهو عنصر من عناصر ثقافة الجماعة الإنسانية، كما يعبر عن بعض جوانب البناء الاجتماعي، وبذلك يتدخل النسق الرمزي تدخلا مباشرا في تشكيل العلاقات بين الأفراد والمجتمعات والمؤسسات. قوة الرموز وتأثيرها تتحدد وفقا لقوة البناء الاجتماعي وتماسكه وقوة المؤسسات وجودة مخرجاتها، إذ انه كلما مارس البناء الاجتماعي ضغوطا اجتماعية شديدة على أعضائه كانت الرموز ذات فعالية وتأثير، وينطبق هذا الواقع على المجتمعات البدائية والبسيطة والمتحضرة.
ترى كم نحتاج في حالتنا الاردنية لمراجعة ايجابية للبناء المعنوي للناس، وهل نعلم كم يحمل التاريخ وتفاصيل حياة الناس في المدن والقرى من طاقة رمزية تسهم في إنتاج نسيج من الأفكار والقيم والأفعال الاجتماعية التي يمكن ان يتبادلها الناس بسهولة في حياتهم اليومية، وتسهم في دمج وهضم الثقافات الفرعية داخلها. وبالعودة الى قصة اخر الجنود الانجليز في الحرب الكبرى، ترى هل نعلم من تبقى من الاردنيين الذين شهدوا تلك الحرب ومن رجال الثورة العربية التي صاحبتها، ولماذا نذهب بعيدا، ماذا عمّن تبقى ممن شهدوا حرب فلسطين الاولى حيث لم توثق الرواية الاردنية بعد.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد