جميعنا من جيل كان يطمح لكي يكون مثقفاً يُشار إليه بالبنان، وقد كان مثل هذا الطموح يوقع بعض الأصدقاء في الفكاهة ومنطقة إثارة الشفقة ولا أقول التشفي. وأنا هنا أتحدث عن بعض الأصدقاء الذين اضطروا في مرحلة معينة ووسط ازدحام المناخ العام بالثقافة أن ينتهجوا طريق القراءة والثقافة والالحاح في ان يكونوا بالشكل المطلوب ثقافياً
|
وانا أذكر ذاك الصديق الذي بوغت حينما شاهدنا نشتري الكتب ونقرأ ونحاجج في النقاشات فما كان منه الا أن انتحى بي جانباً ذات مرة وهو يرجوني أن اساعده في شراء كمية لا بأس بها من الكتب السمينة وقد فرحت يومها لأن صديقنا بدأ يقتنع بنهجي المثقف وهذا في وقتها كان اشارة في أن تسهل القراءة تواصلنا بعيداً عن ذاك الغباء الشبابي. لكن صديقي لم يثابر على القراءة وصار يعتمد على مهاراته الشوارعية في التعامل الثقافي مع معظم الاصدقاء وكنت أشعر دائماً أن صديقي هذا كان يحقد على المثقفين ويحاول دائماً أن يحط من شأنهم | |
وصديق آخر كان يتعرق في الجلسات معنا وكنّا ايامها نعيش في أبو ظبي وأذكر انه سألني ذات مرّة: « يا ابو الخل يا حبيبي أرجوك ان تقول لي من أين تأتي أنت وباقي الاصدقاء بمهارة النطق والكلام المدهش عموما؟» فما كان مني الا أن قلت له ان هذا بسبب القراءة ياعزيزي. فما كان من صاحبنا الا أن أصر على اصطحابي الى مكتبات أبو ظبي وأذكر أنه أشترى كتباً يومها بألف درهم | |
صاحبنا وضع الكتب في مكتبة أنيقة لسنوات طويلة ودون أن تمتد يده إلى أي كتاب، وحينما غادر أبو ظبي قدم الكتب ذاتها اليًّ كهدية | |
وأذكر في منتصف السبعينيات أن ابتليت برفيق سكن في تلك الاحياء الشعبية التي كانت تغص فيها ابو ظبي، وقد أصر صاحبنا على استعارة كتاب سارتر «الوجود والعدم» كي يقرأه، وقد أعطيته الكتاب وانا كلي ثقة بأنه لن يقرأه، وقد أخذ الكتاب، وبعد نصف سنة تقريباً شاهدت سيارته تصطف امام البيت وكان على التابلو الخلفي كتابي الوجود والعدم موضوع بطريقة لافتة وكأن صاحبنا اراد ان يقول لكل عابر من جانب سيارته انه مثقف سارتري. فما كان مني الا ان قرعته وقلت له اريد أن تحضر الكتاب الآن | |
الآن وعلى طريقة الدكتور أحمد ماضي أغمض عيني وأنا اتذكر انصاف وأشباه المثقفين وأضحك احياناً ضحكة مجلجلة | .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |