أتساءل احياناً عن ذاك الهبل الروحي الذي كان يجعلنا نقيم احتفالاً لأي كتاب جديد نقتنيه وكيف كنا نهيئ له الزفة القرائية من حيث مكان القراءة ونظافته وادخال اشعة الشمس بطريقة تجعل الكتاب مضيئاً ونحن نقلب صفحاته بنوع من العطش المعرفي النادر الحدوث

وأتساءل عن غياب تلك النسمة المغمسة بهبة ريح ليلية كيف كانت توقظ شجننا الصيفي في لحظة تنفس عفوية في المكان الذي نقيم فيه سهراتنا إذْ نشعر ان المكان صار مشبعاً بالحنان الامومي

واتساءل احياناً عن تلك الفتاة التي غابت فجأة واقتلعت في غيابها رغبتنا المتلجلجة في رسمها كأيقونة قادرة على تجديد ايماننا بالحب والهيام كل صباح.

وانا اسأل عن تلك الفتاة التي كانت تحل في كل الاغاني التي نسمعها لتتحول الى جهة نخاطبها بالغناء والشجن نعم انا اسأل عن تلك الجميلة التي سرقت قلوب فتيان الحارة في وقت مبكر وغابت الآن في زحمة الاحفاد والجدات وقياس الضغط وهشاشة العظام وارتفاع الكسترول

وأتساءل عن العائلة التي كانت تجمعها الغرفة الكبيرة وصلاة الاب وابتهالات الام وكيف تبددت في زحمة الرزق والبحث عن هدأة البال.

اتساءل عن الخطاب السياسي الذي ما ان كان ينطق حتى تدب في مساماتنا القشعريرة ونذهب الى اليافطات والمظاهرات وايقاظ دهماء الشوارع

اتساءل عن تلك الاصوات التي كانت تبدأ نشطة وقوية في الصباحات ومن ثم تبدأ بالخفوت عند الضحى وصلاة الظهر وكيف تتدلى الاحبال الصوتية بارتخاء عجيب حين يحط الليل على المدينة وكيف تصبح الاصوات مثل همسة مجرحة في آخر الليل

اتساءل عن قبضايات كانوا يهزون اركان المدينة باصواتهم الشقية وهم يمنحون الشتيمة طعمها السوقي المحبب

واتساءل عن ليال ممطرة كنا نشعر ونحن ننام تحت جناح الأم بالأسى لكل هؤلاء الذين كانوا بالنسبة لنا ابناء شوارع وقد كان هذا يجعلنا نسأل في آخر الليل عن هذا الشارع وكيف ينجب الابناء

واتساءل عن صباحات فيروزية ممطرة كانت تذهب باحلامنا الطازجة تلك حد شهقة البكاء

نعم، انا اتساءل عن خسارات كثيرة فقدناها في زحمة العمر واتساءل كيف حدث معنا كل هذا دون ان نقيم سرداق العزاء لبهجتنا التي سرقت منا في وضح النهار.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور