أجمل المدن من تأتيك وقد صارت مؤهلة لاقتراح برنامجها اليومي عليك، وراسمة خطاك اليومية دون عرج. ودون أي ارتباك.
نعم، فالمدن التي بلغت سن الرشد المديني ليست بحاجة كي تحاول تأثيثها بالحماقات الشخصية المرتجلة،وهي بالـتأكيد ليست بحاجة لارتجالاتك البرامجية، ذلك انها تاريخياً عاشرت العديد من الحمقى واستقر رأيها على برامج سعت الى تكريسها حتى صارت جزءا من عاداتها اليومية
|
وبعض المدن تعمل على تأثيث ذاكرتها عند المقيمين فيها وذلك عبر تحالف سري يصعب فهم كنهه،وهي تفعل هذا بينما تراكم خبراتها التاريخية كل يوم لتجعلك تقدم لها فروض الطاعة الحضارية عند انتهاء كل يوم | |
وأجمل المدن من تباغتها فجراً لتريك تضاريسها قبل أن تمتد يدها لادوات التجميل وتبدأ بالتجميل الذي تشرف عليه البلدية، انها وما أن تقبل عليها حتى تعطيك خيطها الرفيع فجراً وما عليك بعد ذلك سوى ان تتبع حركة هذا الخيط وتسلك في دروبها المجنونة التي تقطر سحراً.
أجمل المدن من تتحاشى نهضة الكونكريت الكاذبة ودجل الرخام والحدائق البلاستيكية وتظل تركض خلف رائحة الارواح التي عبرتها ذات زمن؛ كي تتغمس بعبق تلك الارواح ذلك ان اهم مافي المدن الجميلة انها لا تذهب الى دفن موتاها. بل تبقي بقية من رائحتهم وعبق وجودهم تحت ابطها؛ كي تنثره على كل المقيمين بين جنباتها.
وبعض المدن الجميلة تقاوم موتها عند كل صباح كي تجدد معك عقد حياتها الخلاقة من جديد، وهي بالضرورة النقيض الحقيقي لمدن مزوّرة تعيش حضارياً بالمياومة الدبقة وبالاصرار على انهاضها عند كل صباح. وهي بهذا تريك شاهدة قبرها كل صباح لكنك وحدك من يأبى تصديق موتها واقامتها الدائمة في غرفة الانعاش | |
نعم، بعض المدن يشبه النساء الجميلات اللواتي يكتفين بالطلة الوضاءة لتحملك مسؤولية دهشتك بحضورها وشرح كيمياء جمالها الممغنط لباقي الناس. وجعلك تهمس بحرقة وتسأل عن امكانية هجرها ونسيانها أو التخلي عنها، فلا تستطيع | |
بعض المدن طيبة وعريقة ومطمئنة ولها طعم الجدات، وملمس ضروح الأولياء، وبعض المدن تبدو نيئة وعصية على التقبيل والعناق. وهي حريصةعلى ان تجعلك تسدد فواتير اقامتك الموجعة فوقها في كل يوم.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |