أخذت الأولاد الصغار أمس إلى المسجد ،كعادتي كل يوم، بل إن أطفال الجيران يدقون عليّ الباب كلما أذن للعشاء لآخذهم معي إلى صلاتها، إنهم بين السادسة والاثنتي عشرة، أضعهم في السيارة وانطلق ..

 

أتدرون لماذا يسرعون في الذهاب معي إلى صلاة العشاء؟ عوّدتهم أن أشتري لهم " شيبس " أو " بفك " أو " ساندويشة فلافل "

 

قالت زوجتي: لِمَ هذا المصروف الزائد؟ ولسنا أغنياء، وبعضهم ليسوا أبناءك، فكيف تصرف عليهم ؟

 

قلت ضاحكاً: سعادتي وهم معي ينتظرون مكافأة الذهاب إلى الصلاة تعدل أضعاف ما أصرفه عليهم...
 
لا تنسي أنهم رجال المستقبل، فإذا تعودوا الصلاة منذ الصغر فقد تأصّلت فيهم، وما عادوا يتركونها، وسيكون لي مثل أجرهم - كما أخبرنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، هذا بالإضافة أنهم سيكونون مسلمين مؤمنين يربون أبناءهم مثلما أفعل معهم الآن، وسيرون ثمرة ما فعلته معهم، وسيدعون لي وأنا في قبري، فيزداد رصيدي من الحسنات، وأنا بحاجة إلى هذا الصنف من المال الذي يزيد ولا ينقص.

 

قلت: إنني أخذتهم كعادتي إلى المسجد ، ووقف حولي بين المصلين ستة منهم.
 
أما السابع - وهو ابن جاري ، في الصف الأول - فقد رأى صديقه في المدرسة ، ولعبا، وأصدرا أصواتاً أزعجت بعض المصلين ، فما إن انتهت الصلاة حتى طردوهما خارج المسجد، فلما عرفت الأمر ، وخرجت بعد صلاة السنة البعدية تعمّدت العبوس، وقطّبت حاجبيّ.

 

وقلت لهذا الولد الصغير الذي كان أول من يدق جرس البيت عليّ: لن آخذك مرة أخرى إلى الصلاة معي ، فقد أثبتّ أنك طفل صغير، لا تستحق أن تماشي الرجال.!

 

ابتسم أصحابه، وتغامزوا ، وسكت هو، فلم ينبس ببنت شفة، فقد علم أنه أخطأ حين لعب وأصدر في المسجد الضجة التي آذت المصلين، فلما أخذ كل منا مكانه في السيارة، نظرت إليه، من مرآتها، فخفض رأسه.

 

قلت بعد قليل - وقد تركته يضرب أخماسه بأسداسه - لا شك أن "حمزة" رجل ، فأنا أعرفه كذلك، وأعلم أنه ليس من شيمته اللعب في المسجد، إنما يسرع فيقف إلى جانبي ويصلي بخشوع، إلا أنه أخطأ اليوم عن غير قصد.
ألست كذلك يا ولدي ؟!

 

أجاب مسرعاً بلى يا عماه، فصديقي سالم جرّني ، فلم أنتبه ، ولعبنا معاً، إنه ولد مشاغب، ولن أكون مثله إن أخذتني إلى المسجد مرة أخرى..
تظاهرت أنني سأحرمه من المكافأة هذه الليلة ، فلما اشتريت أكياس " الشبس كان ينظر إليّ بطرف عينه.

 

فلما قدّمت له نصيبه على أنه أخطأ ، والمسلم خطّاء ابتسم وأمسك بيدي وقال : سأكون رجلاً يصلي ولا يلعب.
فقلت له : هكذا أنت دائماً، وأنا أثق بك يا ولدي ..

 

وفي هذا المساء كان أول من يدق عليّ باب البيت، ويجلس في السيارة إلى جانبي، ويصلي معي بكل "خشوع وأدب" فساندويشة الفلافل تستحق ذلك الخشوع وتلك الطمأنينة..
وكنت بهم سعيداً فأنا أعده وإخوته من الأولاد ليكونوا رجال الأمة ومجاهديها.
 
ولا بد من الصبر والحكمة في التعامل مع هؤلاء الرجال الصغار ..

 

بقلم: الدكتور عثمان قدري مكانسي.


المراجع

minhajsalafi.com

التصانيف

أدب   الآداب