ماذا تعني الدراما الأممية المثيرة، التي شهدتها أروقة اليونسكو، الأسبوع الماضي وأفضت الى إقصاء المرشح المصري فاروق حسني عن رئاسة أكبر منظمة عالمية تُعنى بالثقافة والتراث والعلوم والتربية والاتصال بين الشعوب والأمم في الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن مد الجسور وردم الفجوات.
وماذا يعني إصرار اللوبي الصهيوني المتحالف مع الولايات المتحدة ودول أوروبية على إبعاد حسني عن هذه المنظمة بعد أن بقيت مصر تحضر لصعود مرشحها منذ أكثر من عامين  واستطاعت أن تحشد خلفه دول جنوب العالم  ما جعله يتقدم في الجولات الثلاث الأولى  ثم يتوالى انسحاب المرشحين وفق هجمة سريعة من الضغوطات لصالح المرشحة البلغارية التي حسمت الجولة الأخيرة لمصلحتها.
ردود الفعل المصرية وصفت ما حدث بأنه انحياز عملي لمقولات صراع الحضارات وسقوط للغرب أمام ادعاءات قبول التنوع الحضاري والتعدد الثقافي وقبول الحوار مع العالم الإسلامي، والحقيقية أن تفسيرنا لما حدث لا يجب أن يذهب بعيدا في البحث عن مبررات تعلق على شماعة صراع الحضارات، بل يجب أن يقرأ من زاوية قدرة وحيوية اللوبي الإسرائيلي والصهيوني على حسم معاركه وحشد المؤيدين في اللحظات الحاسمة هذا من جهة، ومن جهة ثانية يقرأ من زاوية إدراك إسرائيل لقوة مصر الثقافية  في إدارة الصراع على المستوى الشعبي بأدوات الثقافة حتى في زمن السلم، وهنا مربط الفرس.
يطيب للكثير من المثقفين المصريين أن يصفوا بلادهم بأنها دولة عظمى من ناحية ثقافية، وهم يعترفون في نفس الوقت بعمق جرح الانكفاء السياسي وتراجع بريق عاصمة الإقليم القاعدة في الشرق العربي والإسلامي، وضغط الأزمة الاقتصادية الاجتماعية المزمنة.
فالبلاد التي يضم ترابها ومتاحفها أكثر من ثلث آثار العالم  ونصف تراث البشرية ، وتروي للعالم في كل صباح ومساء ريادتها الحضارية، أثبتت خلال العقود الثلاثة الأخيرة أنها تملك الامكانات والمخزون الثقافي والمعنوي القادر على تحريك مشاعر الناس وعقولهم في طول العالم العربي وعرضه، وأكبر ما يهم إسرائيل في هذا الشأن العناد الثقافي في ملف التطبيع والإصرار الثقافي على التفوق والندية أحيانا، ولو باستعادة الماضي كما تفعل الدراما المصرية كل عام في فتح ملفات الجواسيس، الذي لاقى صداه في أول رد فعل إسرائيلي شامت على هزيمة فاروق حسني الذي جاء من صحيفة يديعوت احرنوت الموالية للموساد الإسرائيلي حينما ذكرت مصر بالدراما المصرية الوقحة والقبيحة، على حد تعبيرها.
مسار السلام، الذي بقي في حدود فئة من النخبة الرسمية وحافظ على مقاطعة شعبية واسعة أعادت تعريف التسويات السياسية الناقصة وصلتها بعلاقات الشعوب في قواميس العلوم السياسية من جديد، فدرس رفض التطبيع الذي مارسه المجتمع المصري يقرأ اليوم علميا وتاريخيا بعيون أخرى، ويصبح الورقة العربية الوحيدة القابلة للمناورة والمطلب الإسرائيلي الوحيد، لذا من المنطقي أن نرى ما حدث في باريس في ضوء هذه المحددات.
كان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، شارون، يحلم وهو على ظهر دبابته في حرب 1973 أن يرى المنتخب الاسرائلي يلعب كرة القدم في استاد القاهرة وسط صيحات وهتاف المصريين، مرت كل هذه العقود ووقع بالحبر على التسويات الناقصة، وذهب شارون إلى غيبوبته الأبدية ولم ير منتخبه يعبر النيل ولا يلاعب المصريين، وهذا ما ينسحب على مئات الأمنيات الإسرائيلية التي يقف في وجهها عمق واحد مرتبط بوجدان الناس هو العمق الثقافي الذي ما يزال يرفض التسويات الناقصة.
الخوف من منح مصر قوة ثقافية ومعنوية جديدة هو ما دفع إسرائيل الى خوض هذه المعركة الشرسة رغم فيض الاعتذارات، التي قدمها المرشح المصري، وليس مسألة صراع الحضارات، فلقد سبق وأن احتل هذا الموقع أفريقي مسلم، وهو السنغالي احمد مختار، هذا المخزون الثقافي ذو العمق المجتمعي للشرق العربي هو آخر العتاد.

 

بقلم: د.باسم الطويسي​​​​​


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   د.باسم الطويسي   العلوم الاجتماعية   جريدة الغد