بالتزامن مع اليوم العالمي لمكافحة الفقر، يعُرض الفيلم الوثائقي "نهاية الفقر" للمخرج الأميركي "فيليب دياز" الذي يبحث في جذور الفقر وتاريخ الجوع عبر القارات والصحارى بأدوات التحقيق الاستقصائي المتعمق، ما يجعل هذا الإنتاج من أكثر الوثائقيات العالمية عمقا وجدارة بالمشاهدة، المهم ان العمل يصل الى أن جذور الفقر في العالم تكمن في مشكلة العمل، وكلاهما العمل والفقر هما مسألة سياسية في الأصل.
وتزامن اليوم العالمي لمكافحة الفقر أيضا مع دعوة الأمم المتحدة لممارسة تصعيد عالمي لإنهاء الفقر والجوع في ضوء صدور تقارير عالمية تؤكد تعمق الفقر وازدياد انتشاره خلال العشرين سنة الماضية، وازدياد حدة الجائحة العالمية خلال آخر عامين مع تفاقم آثار الأزمة الاقتصادية العالمية التي فعلها الكبار الأغنياء ويدفع ثمنها الصغار الفقراء.
دخول العالم عمليا نحو جائحة من الفقر والجوع تنهك أكثر من بليون إنسان في طول العالم وعرضه هي فضيحة للنظام الاقتصادي العالمي، وليس مجرد آفة طبيعية بحسب تعبير واحدة من أهم المنظمات العالمية الغربية المعنية بمكافحة الفقر. وإذ يتحدث العالم اليوم عن الحلقة الأضيق التي تشير الى العقدين المنصرمين على اعتبار أنهما لم يشهدا أي تطور حقيقي في مكافحة الفقر والجوع فإن العديد من الأصوات في العالم تنبش اليوم في تراث تاريخ الجوع في الممتد في حلقات تصل من خمسة قرون الى ألف عام، تلك الجذور التي تذهب بعيدا في عمق العلاقات الاقتصادية الظالمة وتقسيم العمل الدولي وقوانين النهب والتكديس والابادة والتدمير التي شقت العالم وورثت استدامة الفقر والجوع قبل استدامة الموارد المحلية وتنميتها.
على مدى آخر ثلاثة عقود أعاد الفكر التنموي المؤشر نحو الداخل وكف الكثيرون عن ترديد الكلام التقليدي السابق حول علاقات الداخل بالخارج، وتراجعت نظرية "فائض القيمة التاريخية"، التي تحدثت عن صناعة المستقبل في المراكز الحضارية في شمال العالم على حساب الجنوب.
في المقابل ازداد التركيز على الجذور الداخلية للفقر، وبغض النظر عن هذه الخلاصات الفكرية، فإن السياسات الليبرالية المتطرفة التي شهدها عالم ما بعد التسعينيات أثبتت هزيمة نظرية التحديث وفشل مشروع التنمية في معظم كيانات الجنوب.
فيما تفضي التحولات نحو المزيد من تعقيد الموقف في لحظة محرجة من تاريخ الفقر والجوع، الأزمة الاقتصادية العالمية ومن يدفع ثمنها الفعلي هذه الأيام، التغيير المناخي الذي سببه بالدرجة الأولى المجمع الصناعي الغربي ومن يدفع ثمنه الحقيقي أيضا، والمشكلة ليست في الآثار الراهنة بل في الانعكاسات المستقبلية على الزراعة والفجوة الغذائية التي تنذر بمستقبل مزدهر بالجوعى.
يطرح فيليب دياز في فيلمه السؤال المحرج، لماذا استمر الفقر بعد مئة عام من النمو الاقتصادي المتوالي والمتراكم والذي راكم هذه الفوائض الهائلة؟..
الإجابة ببساطة تأتي من أفريقيا الوسطى حيث ان الناس الذين يموتون كل يوم بالمئات من الجوع والأمراض وسوء التغذية يدفعون كل دقيقة ما معدله 25 ألف دولار لسداد الديون وفوائدها المتراكمة لشمال العالم.
ما زال تاريخ الرق يطل برأسه حتى في شمال العالم نفسه، بينما تاريخ إعاقة التنمية ينتشر في معظم بقاع جنوب العالم في تضييق الخناق على إنتاج الحرف والصناعات المحلية والتضييق على نضوج القوانين الذاتية، التي تتحول نحو التصنيع، ثم تغيير علاقة المجتمعات بالأرض، وتوجيه كل مظاهر التنمية والبنى التحتية التي تشيد بالديون لخدمة استمرار التبعية.
قبل أربع سنوات نشر كتاب يحمل نفس اسم الفيلم الجديد (نهاية الفقر) كتبه "جفري دي سكس" كان أكثر تفاؤلا إذ اقترح ان العالم يمكن ان يقضي على الفقر خلال عشرين عاما أي في حلول 2025، لكن تبدو ان المفارقة المؤلمة بأن العالم قرر أن يقضي على الفقراء أنفسهم؛ إذ يشهد العالم حالياً موت أكثر من ثمانية ملايين شخص سنوياً بسبب الفقر المدقع ومعدل الموت اليومي يبلغ 20 ألف شخص، بينما هم يرفضون الموت إذ يتكاثرون، انها قصة عمرها ألف عام من المعاناة عناوينها العجز الذاتي والعلاقات الظالمة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد